No Image
ثقافة

متاحف فلسطين.. تاريخا وحاضرا

21 يناير 2026
21 يناير 2026

في بلاد محتلة مثل فلسطين لا يمكن أن ُينظر الى ثقافة المتاحف فيها نظرة سريعة وجافة وتقليدية، فهي ليست فقط لأرشفة الماضي بكل محمولاته من ثقافات شعبية ورموز نهضوية، وأحداث فارقة، حوّلت التاريخ أو صنعته، لكنها وهذا هو الأهم صنع سردية صلبة أمام سرديات الأعداء الذين بكل السبل يحاولون تشويه فلسطين وسرقة حضارتها ومنجزاتها وتاريخها، من منا لم يجن جنونه وهو يرى طهاة اسرائيليين وهم يشاركون في مهرجانات طهي عالمية بفلافل فلسطين وحمصها وزيتها وخضرواتها،؟ من منا لم يمت قهرا وهو يرى عارضات أزياء الغرباء الغزاة وهن يرفلن أمام الجمهور الاوروبي بملابس فلاحات فلسطين؟.

أتذكر حادثا غريبا مقلقا أخبره عني ابن عمي قبل 30 عاما وما زلت أتذكره وأستشهد به، يقول: كنا أطفالا على الجبل نصطاد العصافير، فجأة رأينا حافلة تقف قربنا ويهبط منها مستوطنون يهود، لم نكترث لهم، وهم لم يشعروا أننا نهددهم، بحكم كوننا أطفالا، رأينا في أيدي المستوطنين معاول و فخارات متفاوتة الاحجام يبدو عليها القدم، انحنوا وراحوا يحفرون الأرض بعمق، ويضعون الفخارات داخل الحفر، ثم يهيلون عليها التراب.

يتابع ابن عمي: لم نفهم وقتها مالهدف من ذلك، حين كبرنا وعرفنا طبيعة و حقيقة وأهداف الاحتلال، استنتجنا أنهم كانوا يزورون التاريخ ويسرقون وجه البلاد، ويغيرون المعالم الاصلية، كانوا يدفنون الفخارات التي بذلوا جهدا خارقا ليضفوا عليها بطرق ما طابع العتاقة، الهدف كان صناعة رواية تاريخية بالدلائل الأثرية، وكأنها من تراثهم ومن تاريخهم المصنوع الذي يزعمونه في بلادنا.

من هنا يجيء أهمية وجود متاحف فلسطينية بأنواعها كافة، تحفظ وجهنا وتحتفي برائحتنا، كما تجيءأيضا أهمية الكتب والدراسات والروايات الأدبية والفنون عامة التي تصد هجمة الرواية الصهيونية.

في هذا السياق التاريخي الفلسطيني المقاوم صدر حديثا جدا في رام الله عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب - ملحق (متاحف فلسطين حاضرا وتاريخا،) هو الأول في الكتب التي تتناول تاريخ المتاحف الفلسطينية، الكتاب جاء ب 450 صفحة من القطع المتوسط، وقد وزع كملحق بالعدد 145 من مجلة الدراسات الفلسطينية الشهيرة، هي مجلة فصلية تصدر عن مؤسسة الدراسات في بيروت ورام الله، حرر هذا العدد خالد فراج، ايهم السهلي، رامي الريس، وناهد جعفر، الغلاف هو صورة قديمة لمتحف الآثار الفلسطيني (روكفلر سابقا) التصميم الداخلي للفنان محيي الدين لباد.

في مقدمة الملحق كتب المحرر: ما يحدث في غزة من إبادة يحدث الآن في مدن الضفة، اذ طال التدمير الممنهج معظم المواقع الاثرية والمباني التاريخية والمتاحف والمشهد العمراني، وفي إطار سياسة تدمير الهوية المكانية دمرت المراكز الثقافية والمسارح والمراسم وقتل الشعراء والرسامون والاعلاميون ورؤساء الجامعات والأساتذة والأطباء والمسعفون.

ساهم في هذا الملحق الذي أشرف عليه الدكتورحمدان طه، كمحرر ضيف، 25 باحثاً، شملت مقالاتهم عديدا من الموضوعات المتعلقة بالمتاحف في فلسطين، هناك مقدمة حول تاريخ المتاحف في فلسطين، والمتاحف الحكومية، والأهلية، والمتاحف التراثية والطبيعية، والمتاحف الشخصية، ودور المؤسسات والأفراد في تأسيس هذه المتاحف وإدارتها.، كان هناك مساهمات مهمة حول المتاحف الواقعة تحت الاحتلال في الداخل الفلسطيني، والمتاحف الفلسطينية في الخارج. لم يتم نسيان غزة ومتاحفها التي تم تدميرها في حرب الإبادة على غزة.

الباحثون المشاركون هم،: حمدان طه؛ إيمان الطيطي؛ عصام حلايقة؛ محمد حامد الزرد؛ محمد حلايقة؛ وطن مقدادي؛ سليم تماري؛ غسان نجاجرة؛ أزهار حمامرة؛ جهاد ياسين؛ محمد جرادات؛ إياد حمدان؛ نسب أديب حسين؛ أحمد الحاج علي؛ أيمن وراسنة؛ محمود هواري؛ عمر عبد ربه؛ نادية حرحش؛ يارا سالم؛ نظمي الجعبة؛ ماهر الشريف؛ رنا عناني؛ تغريد عبد العال؛ وليد حبّاس؛ دلال عودة.

ومن المقالات الملفتة نقرأ: شاعرية المتاحف ولزوم تمرد الارشيفات لرنا عناني ومتاحف المستعمرات في الضفة الغربية لعمر عبد ربه والمتاحف والتنمية الثقافية والاقتصادية والمجتمعية في فلسطين لماهر الشريف.

درة الملحق هي مقابلة مع أهم جغرافي فلسطيني مشهود له بعميق البحث في جغرافية وتاريخ فلسطين، وهو الدكتور كمال عبد الفتاح، الذي حفر عميقا في تضاريس فلسطين، بحرها وبرها.