No Image
ثقافة

"علامات صامتة من عُمان" يستحضر تجربة النمساوي راينهارد سيجل في توثيق المسارات الجبلية

21 يناير 2026
21 يناير 2026

في تجربة فنية تستثمر الذاكرة والعمل الميداني في بناء مادتها البصرية أفتتح في صالة ستال للفنون مساء أمس معرض "علامات صامتة من عُمان"، الذي تقدّمه الفنانة الإيرانية مرجان حبيبيان ضمن مشروع بصري يستعيد المسار الإنساني والمهني الذي ارتبط على نحو وثيق بجبال سلطنة عُمان حيث ينطلق المعرض من سيرة زوجها الراحل "راينهارد سيجل" المغامر النمساوي الذي عاش لأكثر من خمسة وعشرين عاما في البيئة الجبلية العُمانية، وكرّس جزءا كبيرا من حياته للعمل في استكشاف المسارات الطبيعية وتعليم رياضة المشي الجبلي، وترسيم الطرق الوعرة بأسلوب منهجي أسهم في جعلها أكثر وضوحا وأمانا لممارسي هذا النشاط، ولم تكن هذه الجهود منفصلة عن المجتمع العماني إذ اعتمدت على معرفة أهالي القرى الجبلية، وعلى خبراتهم المتوارثة في التعامل مع التضاريس الأمر الذي أوجد نموذجا تشاركيا في فهم المكان والتعامل معه.

ويقدّم المعرض الممتد على مدى أسبوعين مجموعة تضم أكثر من عشرين عملا فنيا تتوزّع بين لوحات وصور وأعمال تركيبية ومواد توثيقية، تُعيد قراءة البيئة العُمانية كفضاء مركّب لا يقتصر حضوره على المشهد الطبيعي وحده، ففي هذه الأعمال تظهر الجبال والأودية والكهوف والمسارات القديمة طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة، ارتبطت بحركة الإنسان وتنقّلاته وأساليب عيشه وتكيّفه مع الطبيعة عبر الزمن، وتستند الأعمال المعروضة إلى تجربة ميدانية طويلة في الجبال والمسارات الوعرة، حيث تتحوّل تفاصيل العمل اليومي، من أدوات الترسيم والإرشاد إلى العلامات البصرية، والمواد المستخدمة في الطبيعة إلى عناصر فنية تحمل دلالات تتجاوز وظيفتها المباشرة، وتُعيد الفنانة توظيف هذه العناصر داخل الفضاء الفني لتصبح رموزا للجهد الإنساني والزمن والمسؤولية تجاه المكان، ومن خلال هذا الاشتغال تتضح عُمان في المعرض كجغرافيا حيّة تتنوّع طبوغرافيا وتحتفظ في الوقت ذاته بذاكرة اجتماعية وثقافية تشكّلت عبر علاقة طويلة بين الإنسان والبيئة، فالطبيعة هنا طرف فاعل في صياغة الهوية المحلية وفي تشكيل أنماط الحركة والعمل والتواصل.

ويبرز في المعرض مفهوم العناية بالمكان باعتباره قيمة ثقافية، حيث تتحوّل ممارسات مثل ترسيم المسارات الجبلية وصيانتها إلى فعل اجتماعي يحمل بعدا معرفيا وأخلاقيا. وتُقرأ هذه الممارسات، التي أسهمت في تشكيل تاريخ حديث لسياحة الجبال في عُمان، قراءة فنية تؤكد أن فكرة الاستدامة نابعة من علاقة قديمة ومتجذّرة بين الإنسان والأرض، وليست مفهوما طارئا أو مستوردا.

وعلى الصعيد الفني يتّسم المشروع بتعدّد وسائطه وتنوّع لغاته البصرية، إذ تتجاور اللوحات والرسم والأعمال المطبوعة مع الأعمال التركيبية والمواد التوثيقية، في سياق يدمج بين الفن المعاصر والوثيقة البصرية، ويقدم هذا التداخل مساحة حوار بين الجمالي والوظيفي، وبين الواقعي والتجريدي، بحيث يمنح الأعمال قدرة على نقل التجربة الحسية للمكان دون الاكتفاء بتصويره أو تمثيله، كما يحضر البعد الثقافي والاجتماعي من خلال إشارات واضحة إلى الرموز المحلية والحيوانات البرية، وأنماط العيش المرتبطة بالبيئة الجبلية، لتنعكس في الأعمال قيم راسخة في المجتمع العُماني، مثل الاحترام العميق للطبيعة وروح الضيافة والعمل الجماعي والتكافل، وتظهر هذه القيم بهدوء عبر التفاصيل البصرية الدقيقة وعبر الإيقاع المتأمّل الذي يحكم العلاقة مع المكان، ولا يغفل المعرض الجانب الإنساني الوجودي، إذ تتناول بعض الأعمال ثيمات الزمن والفقد وحدود الحياة والموت في مقاربة توازن بين التوثيق والتأمّل، ويطرح هذا البعد في التجربة أسئلة إنسانية كونية تتصل بالعلاقة بين الجسد والطبيعة، وبالذاكرة كأثر صامد يتشكّل عبر الزمن.