No Image
ترجمة

على أوروبا أن تقطع كل علاقاتها بأمريكا وتقول لترامب: كفى

15 يناير 2026
ألكسندر هيرست - ترجمة - أحمد شافعي
15 يناير 2026

ردا على سؤال إد دافي في مجلس العموم البريطاني الأسبوع الماضي عما لو أن تحرك الولايات المتحدة ضد جرينلاند قد يعني نهاية الناتو قال كير ستارمر «إنه يشجعني طيلة الوقت... على الاختيار بين أوروبا والولايات المتحدة. وسوف يكون هذا خطأ استراتيجيا بالنسبة لبلدنا».

فماذا عن أوروبا؟ في الوقت الذي كان الدنماركيون ووزراء جرينلاند يستعدون فيه لمواجهة جيه دي فانس في البيت الأبيض كان السؤال يتعلق بما لو أن أوروبا أخيرا سوف تختار بين أوروبا والولايات المتحدة؟ هل سيتحلى قادتها بالشجاعة ليقولوا الحقيقة كاملة وهي أن الولايات المتحدة لا تتخلى فقط عن حلفائها وتدمر النظام الدولي وإنما هي الآن في وضع افتراس فعلي وعدواني باستعمال القوة، والأهم من ذلك هو ما إذا كان هؤلاء القادة سوف يتحركون بناء على هذه الحقيقة؟ وهل سيوفرون الدعم المعنوي والمادي للدنمارك، ويوفرون لجرينلاند في المستقبل تقرير المصير والعضوية، بدلا من التبعية للولايات المتحدة كي تنهب مواردها؟

لقد حدد دونالد ترامب النبرة بقوله إن الولايات المتحدة سوف تستولي على جرينلاند «بطريقة أو بأخرى» ولم يعد أي من الثلاثي المحيط به يحاول إخفاء نواياهم الإمبريالية الآن. ولا المحاسيب ولا الأفاقون أنفسهم ممن يراكمون المزيد والمزيد من الثروات لأنفسهم. ولا المفكرون العنصريون البيض الذين يستلهمون شعارات النازية فينشرون عبر حسابات الولايات المتحدة الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي شعار «وطن واحد. شعب واحد. إرث واحد». ولا العدميون التكنولوجيون الذين يتوقون إلى استغلال كل موارد جرينلاند المعدنية والتسيد على دويلاتهم الإقطاعية الجديدة على سواحلها.

عندما يقول ترامب إن القيد الوحيد على ممارسته للسلطة هو ما لديه من «أخلاقيات شخصية»، فذلك يعني أنه يمارس السلطة بلا أي قيد. وأنه سوف يستمر في الاستيلاء على ما يشاء، إلى أن يأتي من يفرض عليه حدودا.

الحقيقة هي أن مخطط حركة ماجا الكبير للإمبراطورية الأمريكية الجديدة لم يكن قط خفيا. فخلال الشهور الأخيرة من انتخابات الولايات المتحدة الرئاسية في عام 2024 بدأت خرائط غير معتادة في الانتشار في أوساط حركة ماجا. وهذه الخرائط جميعا مستلهمة من حركة في ثلاثينيات القرن العشرين كانت تسعى إلى تكوين ما أطلقت عليه «دولة أمريكا التكنوقراطية» وهي عبارة عن اتحاد بين أغلب أمريكا الشمالية وبعض من أمريكا الجنوبية تحت حكم وسيطرة الولايات المتحدة. وتمتد الولايات المتحدة التكنوقراطية من جرينلاند باتجاه الجنوب عبر كندا والمكسيك وكوبا وفنزويلا ممتدا حتى غينيا الفرنسية (وهي منطقة فرنسية كاملة تعترض طريق مبدأ دونرو).

فما الذي تستطيع أوروبا أن تفعله في الوقت الذي تقترب فيه هذه الخرافة التاريخية الجنونية من الواقع؟ كيف يمكن الحفاظ على مساحة للديمقراطية وسيادة القانون في عالم يرتد سريعا إلى الإمبريالية والأوليجاركية وسيادة القوة منفردة؟ فقط بإقامة خندق فيدرالي وقائي محيط بها.

في حال مهاجمة الولايات المتحدة فعليا للدنمارك وغزوها لجرينلاند وإعلانها الحرب على الاتحاد الأوروبي -وهو تحالف دفاعي ملتزم بمعاهدة- فإن التاريخ سيفرض نفسه. سوف يكون على أوروبا في آن واحد أن تتوسع وتعيد الهيكلة لتصبح اتحاد دفاع ومخابرات يستوعب أعضاء الناتو من خارج الاتحاد الأوروبي. وسوف يتطلب مثل هذا الوضع الاستيلاء على قواعد الجيش الأمريكي من ألمانيا إلى أسبانيا، وفرض عقوبات فردية على نطاق واسع من مسؤولي الولايات المتحدة، وعقوبات عامة على الاقتصاد الأمريكي، وتوسيع نطاق «ضريبة الكربون الحدودية» بشكل كامل ليشمل جميع القطاعات. وسوف توجد بلا شك ضغوط من أجل عدم الاكتفاء بهذا، وإنما استعمال أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي لحظر شركة (إكس) وغيرها من شركات التكنولوجيا الأمريكية والمسارعة في جهود إحلال أنظمة أوروبية ويورو رقمي محلَّ البنية التحتية للمدفوعات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.

وإذا لم تهاجم الولايات المتحدة الدنمارك، فإن أفضل فرصة لأوروبا كي تبقى قارة حرة ومنفتحة في عالم إمبريالي ستظل تتمثل في فرض القطيعة مع الولايات المتحدة، وفرض عواقب ذلك، وفرض النظام الفيدرالي بأي حال. ومهما تكن نتائج اجتماع البيت الأبيض، فقد حان الوقت لأن تطلب أوروبا من الولايات المتحدة الخروج من القواعد العسكرية الأوروبية، والتخلص من هيمنة مليارديرات التكنولوجيا الأمريكيين، والشروع في حملة منسقة لتمويل وسائل الإعلام العامة كشكل من أشكال الدفاع المعلوماتي، وربما حتى توسيع برنامج إيراسموس ليصبح هيئة عامة للخدمة المدنية الأوروبية. لا بد من النظر في كل شيء عدا القتال الفعلي، لأن «ضم جرينلاند» هو أحد أعراض الفاشية الأمريكية، وسيتبعه غيره.

التفسير المتسامح لكيفية قضاء القادة السياسيين في أوروبا العام الماضي هو أنهم كانوا يكسبون وقتا للاستعداد. لكن القراءة الأميل إلى الانتقاد هي أنهم حاولوا في سذاجة أن يجتنبوا تكاليف القطيعة مع ترامب وها هو وقتهم نفد، وما من خيار يخلو من تكلفة. بوسعنا إما أن نختار نحن الأزمة بأنفسنا ونختار تكاليف هذا الانفصال التاريخي، أو أن نخضع للأزمات والتكاليف التي سوف تفرضها علينا الولايات المتحدة فرضا. لكن فرصتنا في الاختيار تتضاءل. فترامب وفانس وستيف بانون وغيرهم واضحون في أنهم سوف يدعمون اليمين المتطرف، والأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي حتى تصل إلى السلطة كلما تيسر ذلك بهدف يشتركون فيه مع بوتين، وهو تفجير الاتحاد الأوروبي من الداخل.

ومن خلال الانفصال الجريء عن الولايات المتحدة الآن، وبشكل واضح وحاسم، قد تتسبب أوروبا في صدمة تنعش كامل الجسد الديمقراطي الأمريكي المنهك. وليس بوسع أحد غير الأمريكيين أن ينقذوا بلدهم من الانحدار إلى وضع أشد قبحا وهلاكا مما نشهده في الوقت الراهن بالفعل. لكن من أجل صالح الجميع، بمن فيهم هم أنفسهم، لا بد أن تقطع أوروبا الصلة الآن، وألا تتبعهم في مضيهم إلى قلب العاصفة.

ألكسندر هيرست يكتب لصحيفة ذي جارديان من باريس

الترجمة عن ذي جارديان