No Image
ترجمة

انتقام اختلالات التوازن العالمية

15 يناير 2026
باري إيشنغرين
15 يناير 2026

في الأول من يناير، تولت فرنسا رئاسة مجموعة السبع، نادي الاقتصادات المتقدمة العريق. وتحت رئاستها، سيكون محور تركيز أجندة المجموعة اختلالات التوازن العالمية - الفوائض وعجز الحساب الجاري لدى الصين، والولايات المتحدة، ودول أخرى. هذا يذكرنا بعام 2006، عندما كانت اختلالات التوازن العالمية مصدر قلق كبير آخر مرة.

هذه الأجندة منطقية من الناحية السياسية. فإذا كان الرئيس دونالد ترمب والقادة الأوروبيون يتفقون على أي شيء فهو أن فوائض الصين تمثل مشكلة. كما أن التركيز على الاختلالات العالمية يحول الانتباه عن المشكلات المالية في فرنسا ويسمح للرئيس إيمانويل ماكرون باستعراض زعامته على الساحة العالمية.

من الناحية الاقتصادية، لم تُقَدَّم حجة الإثبات بعد. من المؤكد أن الاختلالات بين الولايات المتحدة والصين كبيرة. يقدر صندوق النقد الدولي عجز حساب الولايات المتحدة الجاري في عام 2025 بنحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض طفيف عن ذروته في عام 2006 التي بلغت 6.2%. وانخفض فائض الصين إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي من 10% في عام 2006. لكن حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تضاعفت إلى ثلاثة أمثالها منذ ذلك الحين (بالأسعار الحالية، وهي التي تمثل أهمية بالنسبة للسلع المتداولة دوليا). إذا ضاعفنا فائض الصين ثلاث مرات، كما هو مناسب لقياس تأثيره على الاقتصاد العالمي، نحصل على نسبة الفائض في عام 2006.

لذا، إذا ركزنا على الاقتصادين اللذين يمثلان معا 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، نجد أن الاختلالات تعادل تقريبا حجمها في عام 2006، والتي أنذرت باندلاع الأزمة المالية العالمية بعد عامين.

لكن خوض المجازفات بتهور، ونقص الشفافية، والتنظيم المالي المتراخي، وليس الاختلالات العالمية، هي الأسباب الكامنة في جذور الأزمة. اليوم، تتكاثر المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي مرة أخرى - في الائتمان الخاص، والعملات المشفرة، والتدفقات المالية الدائرية المرتبطة بالاستثمارات في مراكز البيانات وأشباه الموصلات، والرقابة المصرفية الأكثر تساهلا في الولايات المتحدة.

ومع ذلك فإن هذه المخاطر ليست أسبابا ولا عواقب لاختلالات التوازن العالمية. في الائتمان الخاص، تكمن المشكلة مرة أخرى في الافتقار إلى الشفافية. وفي العملات المشفرة، تكمن المشكلة في عدم كفاية التنظيم. وفي الإشراف المصرفي، تكمن المشكلة في الأيديولوجية والقوة التي تتمتع بها جماعات الضغط المصرفية.

فقط عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية يصبح من الممكن ربط الاختلالات العالمية بالمخاطر التي تهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي. كان هذا الاستثمار مسؤولا عن 80% من الزيادة في الطلب المحلي النهائي الخاص في الولايات المتحدة في النصف الأول من عام 2025. ويمثل عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة الفائض في الاستثمار على الادخار. لذا، إذا كان الاستثمار أقل، فسوف يكون عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة أقل، مع بقاء العوامل الأخرى على حالها. بطبيعة الحال، سيكون النمو في الولايات المتحدة أقل أيضا، وهو ما لن يكون إيجابيا بالنسبة لأميركا أو العالم. فاحذروا مما تتمنونه.

يُذَكِّرنا هذا الوضع أيضا بمبدأ لوسون، المسمى على اسم نايجل لوسون، وزير الخزانة الثاني في عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر. كان لوسون يرى أن عجز الحساب الجاري أمر إيجابي إذا كان يعكس ارتفاع الاستثمار وليس انخفاض الادخار. ثم تعلمنا لاحقا أن العجز المدفوع بالاستثمار لا يكون حميدا إلا إذا كانت الاستثمارات منتجة.

لننتقل الآن سريعا إلى الشكوك السائدة اليوم حول عوائد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وتحديدا في مراكز البيانات النهمة في استهلاك الطاقة التي تستخدم رقائق إلكترونية تتلف أو تصبح عتيقة بعد عامين أو ثلاثة أعوام. الواقع أن مشاهدة شركات التكنولوجيا وهي تستخدم أدوات مالية مخصصة للاقتراض، وتُّـقَسِّم وتُـشَرِّح الالتزامات الناتجة، وتبيعها لمستثمرين مؤسسيين، كفيلة بالتنغيص على أولئك الذين تتعدى ذكرياتهم العشرين عاما.

في حالة الصين، المشكلة ليست أن الاستثمار منخفض بشدة -على العكس تماما- بل أن المدخرات مرتفعة للغاية. يعترف المسؤولون الصينيون بضرورة تعزيز الاستهلاك -وقد ظلوا يعترفون بذلك طوال خمسة عشر عاما، منذ أن جعلوا تعزيز الاستهلاك هدفا وطنيا رئيسيا في الخطة الخمسية الثانية عشرة (2011-2015). لكن الاعتراف بالمشكلة والعمل على علاجها أمران مختلفان.

إن مدخرات الشركات المفرطة المخصصة للاستثمارات المنخفضة العائد والمدخرات الأسرية والتي تُـضَخ دون وعي في العقارات تخلق مشكلات مالية، كما يشهد المراقبون المطلعون على الأدوات المالية التي تستخدمها الحكومات المحلية وشركات العقارات في الصين. لكن الصين تمتلك الموارد المالية اللازمة لمعالجة هذه القضايا. وتظل الصين معزولة ماليا بالدرجة الكافية التي تجعل من غير المرجح أن تمتد أي مشاكل من هذا القبيل إلى بقية العالم.

لماذا القلق إذن بشأن الفائض التجاري الصيني؟ لنبدأ بحدوثه على نحو متفاوت بين البلدان والمناطق، كما تعلمنا من «صدمة الصين» الأولى، أو طفرة الصادرات التي سبقت الأزمة المالية العالمية. وكما تعلمنا أيضا، فإن مثل هذه الآثار المركزة تهدد بردة فعل شعبوية عنيفة ضد العولمة والتعددية.

من المرجح أن تكون المشكلة الآن أشد ضراوة مما كانت عليه قبل جيل. ولأن السوق الأمريكية تغلق أبوابها على نحو متزايد في وجه الصين، فسوف تتحمل مناطق أخرى، بدءا من أوروبا، القدر الأعظم من وطأة صادرات الصين. لا يخلو الأمر من تهديدات أخرى للتعددية، وأبرزها التنافس الجيوستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين والتوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتي سيضاف إليها الآن ردة الفعل العنيفة الناتجة.

تكمن الحلول في الداخل. فبوسع الولايات المتحدة أن تعالج انخفاض مدخرات القطاع العام عن طريق زيادة الضرائب وسد الثغرات الضريبية. كما يمكنها إحكام الضوابط التنظيمية المالية التي تشجع شركات التكنولوجيا على إهدار الأموال. وبوسع الصين أن تعمل على تحفيز الاستهلاك عن طريق تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لديها، وهذا كفيل بتحرير المدخرات الاحترازية.

لقد بث صندوق النقد الدولي هذه الرسائل. والسؤال هو ما إذا كانت لتلقى القبول. على حد تعبير شكسبير: «العيب، عزيزي بروتوس، ليس في نجومنا، بل في أنفسنا».

باري إيشنغرين أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ومستشار سياسي رفيع المستوى سابق في صندوق النقد الدولي. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك كتابه القادم «المال بلا حدود: العملات العالمية من كرويسوس إلى العملات المشفرة».

خدمة بروجيكت سنديكيت