عملية فنزويلا تكرار لما فعلته أمريكا في تشيلي

11 يناير 2026
11 يناير 2026

ترجمة قاسم مكي -

يعتقد أناس عديدون في أمريكا اللاتينية ومنذ فترة طويلة أن الولايات المتحدة تنظر إلى القارة باعتبارها حديقتها الخلفية. هذا الفهم كثيرا ما يُرَدُّ إلى مبدأ الرئيس جيمس مونرو في عام 1823 وتأكيده دون مواربة بأن «أمريكا للأمريكيين.»

إلقاء الإدارة الأمريكية القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس يوم 3 يناير بعث من جديد هذه الحساسيات الراسخة منذ أمد مديد.

وفي حين رحّب قطاع مهم من سكان الولايات المتحدة خصوصا «الدياسبورا» الفنزويلية الكبيرة بالقبض على الرجل القوي (مادورا) إلا أن معظم الحكومات والقادة السياسيين في المنطقة أدانوا ما اعتبروه تطفلا غير مقبول في الشؤون الداخلية لأحد البلدان.

هذه ليست أول مرة سعت فيها واشنطن إلى تشكيل النتائج السياسية في أمريكا اللاتينية. فالأحداث السابقة من هذه الشاكلة تشمل إطاحة رئيس جواتيمالا جاكوبو أربينز في عام 1954 ودعم الولايات المتحدة غزو كوبا الفاشل (عملية خليج الخنازير) في عام 1961 وإرسال القوات الأمريكية إلى جمهورية الدومينيكان في عام 1965 والمساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة للحكومة البوليفية في تعقب وقتل شي جيفارا عام 1967 والدعم المستمر لجماعات الكونترا المعارضة في نيكاراجوا خلال ثمانينيات القرن الماضي وغزو بنما والقبض على مانويل نورييجا في عام 1989.

لكن الحدث الأكثر خطورة والذي ترتبت عنه تبعات مهمة تمثل في جهود إدارة الرئيس نيكسون ذات الطابع المنهجي في الفترة من 1970 إلى 1973 لتقويض تنصيب رئيس تشيلي سلفادور أليندي وإطاحته من سدة الحكم. وهو ماركسي انتُخب بطريقة ديموقراطية في سبتمبر 1970 ثم خلِع في النهاية بواسطة انقلاب مدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي أيه» بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه في 11 سبتمبر 1973.

في حالتي مادورو وأليندي كليهما كانت السيطرة على موارد طبيعية استراتيجية في قلب اهتمامات الولايات المتحدة. ففي يوليو 1971 أممت شيلي مناجم نحاسها التي كانت تملكها شركتان أمريكيتان متعددتا الجنسية هما كينيكوت وأناكوندا دون تعويض الملاَّك الأمريكيين. وكما أوضحت الوثائق السرية التي كشف عنها صار تأمينُ تعويضٍ «عادل» من حكومة أليندي بسرعة هدفا رئيسيا لهنري كيسنجر والرئيس ريتشارد نيكسون.

أُخضِعت شيلي إلى ضغط اقتصادي مستتر وقاس إلى حد بعيد. فالقروض والمساعدات المالية قُلِّصَت وشُجِّعت الشركات الأمريكية على عدم التعامل التجاري مع شيلي. في ذات الوقت أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) بعضا من عملائها الأكثر خبرة بمن فيهم الجاسوس سيئ الذكر ديفيد أتلي فيليبس لتقويض الحكومة.

وبعد انقلاب بينوشيه توصل النظام العسكري على الفور إلى اتفاقيات مع شركات التعدين الأمريكية ودفع المبالغ المطلوبة.

ظهر نمط شبيه بذلك في فنزويلا بعد عقود لاحقا.

ففي عام 2007 أمَّم الرئيس الفنزويلي وقتها هوجو شافيز المشروعات النفطية المشتركة بين شركة النفط الوطنية الفنزويلية (بي دي في إس أيه) والشركات الأجنبية وعرض تعويضا للمستثمرين الأجانب اعتبروه غير كاف. قضت لاحقا هيئات التحكيم التابعة للبنك الدولي أن فنزويلا تدين لشركتي اكسون موبيل وكونوكوفيليبس بحوالي 11 بليون دولار تقريبا.

وكما في شيلي في أوائل السبعينيات رفضت حكومتا كلا الرئيسين شافيز ومادورو التقيد بتلك الأحكام ووضعا النزاع في إطار السيادة وليس تنفيذ عقد. عقب ذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ودبلوماسية في محاولة فاشلة لإجبار حكومة فنزويلا على السداد.

ورغم وجود أوجه شبه عديدة بين الحالتين إلا أن هنالك اختلافات مهمة في التكتيكات. ففي تشيلي كانت الضغوط التي فرضتها الولايات المتحدة مستترة ومبكرة. فحتى قبل تنصيب أليندي أمر الرئيس نيكسون مدير وكالة الاستخبارات المركزية وقتها ريتشارد هيلمز إعداد خطة لمنع الرئيس الفنزويلي من تولي الحكم. واشتُهر عنه حثَّه على جعل الاقتصاد التشيلي «يصرخ»

إحدى الخطط المبكرة كانت اختطاف الجنرال رينيه شنايدر القائد الأعلى للجيش التشيلي. فشلت المؤامرة التي دبرها المحافظون التشيليون بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. لكن شنايدر تعرض إلى إصابة قاتلة أثناء محاولة الاختطاف مما عرقل الخطة الأولى لمنع تنصيب أليندي ولكن ليس الانقلاب اللاحق.

تكشف المقارنة بين نيكولاس مادورو وسلفادور أليندي عن الاستراتيجية أكثر مما تكشف عن الأيديولوجيا. ففي كلا الحالين كان رد فعل الحكومة الأمريكية يتعلق بمصادرة الأصول المملوكة للشركات الأمريكية في قطاعات اعتبرت حيوية استراتيجيا.

لكن الاختلاف كان في الوسائل. ففي شيلي تمثل ذلك في تقويض الاستقرار وتغيير النظام خفيَة وفي فنزويلا في ضغوط قانونية ومالية ودبلوماسية تصل إلى ذروتها في عملية عسكرية ومقاضاة جنائية.

قد تختلف الأدوات والسياقات التاريخية لكن الهدف الأساسي لواشنطن في كلا الحالين هو نفسه. إنه استعادة السيطرة على حقوق الملكية والموارد الاستراتيجية في الجزء الغربي من الكرة الأرضية.

هذه الاستمرارية بالنسبة للعديدين من أهل أمريكا اللاتينية تعزز الاعتقاد الثابت بأن «سياسة القوة» في المنطقة بصرف النظر عن المبادئ المعلنة (كمبدأ مونرو أو مبدأ دونرو ( المترجم) تظل هي المألوف والسائد.

سيباستيان إدواردز استاذ متميز للاقتصاد الدولي والإدارة بجامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس

الترجمة عن الفاينانشال تايمز