هذا هو سر اهتمام ترامب بجرينلاند: ذوبان الجليد
11 يناير 2026
11 يناير 2026
ترجمة: أحمد شافعي -
لا يكاد يخلو أسبوع من ظاهرة مناخية مخيفة وغريبة لعلكم لم تسمعوا بها قط. فلو أنها ليست «قنبلة مناخية» من الرياح العاتية والجليد تتهيأ لها بريطانيا بينما أكتب هذه السطور، فهي تقارير في صحيفة ذي جارديان عن معاناة حيوان الرنة في القطب الشمالي من مشكلة مناقضة هي ارتفاع درجة الحرارة على نحو غير معهود بما يؤدي إلى مزيد من الأمطار التي تتجمد لتكوِّن من الجليد ما تعجز هذه الحيوانات عن الحفر فيه بحوافرها بسهولة وصولا إلى الطعام. وفي بيئة قاسية قسوة القطب الشمالي، يعتمد البقاء على قيد الحياة فيها على حسن التكيف، تكون حتى لأوهى التغيرات في الأنماط المناخية عواقب وخيمة لا متناهية، ولا يقتصر تأثيرها على حيوانات الرنة فقط.
منذ عقود الآن، يحذر الساسة من الحروب المناخية القادمة، والصراعات التي يثيرها الجفاف والفيضان والنيران والعواصف فترغم الناس على النزوح، أو تدفعهم إلى التنافس مع الجيران على الموارد الطبيعية المتناقصة، ولكل من تصوروا تصورات مبهمة بأن هذا الأمر إنما يجري بعيدا عن عتبة أوروبا المناخية، أي في الصحاري القاحلة أو في جزر المحيط الهادئ الغارقة ببطء في المياه، فإن حديث البيت الأبيض بادي العبثية هذا الأسبوع عن الاستحواذ على جرينلاند إنما هو نذير واضح للفت الانتباه، وكما كان يقول أول قادة البحار البريطانيين السير الجنرال جوين جينكنز لكل من يهتم بالإنصات فقد أثار ذوبان جليد الأرض الناجم عن أزمة المناخ تنافسا ضاريا في القطب الشمالي الذي يذوب فيه الجليد منذ بعض الوقت، وهذا التنافس ينصب على الموارد والأرض والسيطرة الاستراتيجية على المحيط الأطلنطي. ولكي نفهم كيفية تهديد هذا لشمال أوروبا، يكفي أن ننظر إلى قمة الكوكب بدلا من النظر إلى خريطة.
تشير التوقعات إلى أنه بحلول أوائل أربعينيات القرن الحالي قد يجعل الاحتباس الحراري المياه المتجمدة حول القطب الشمالي ـ أي المحيط الذي يفصل روسيا عن كندا وجرينلاند ـ شبه خالية من الجليد في الصيف، وقد يفتح هذا طريقا مختصرا جديدا من آسيا إلى أمريكا الشمالية، لا يدور حول منتصف الكرة الأرضية وإنما يمر من أعلاها منشئا مسارات جديدة للتجارة والشحن والصيد والمؤسف أنها أيضا للهجوم.
ها هو مسرح جديد للصراع ينشأ بالتبعية من أسفل الجليد الذائب، والصين وروسيا والولايات المتحدة محصورة على نحو متزايد في معركة من أجل السيطرة عليه. في الوقت نفسه، مع ارتفاع درجات الحرارة التي تحول أقصى الشمال إلى رقعة شطرنج بين أيدي الطغاة، تتعرض المناطق التي أوقعها سوء حظها في الطريق ـ من جرينلاند إلى كندا إلى أرخبيل سفالبارد النرويجي الذي طالما طمعت فيه روسيا ـ لخطر أن تصبح بيادق على هذه الرقعة.
ويكاد يكون في مثل خطورة ذوبان القطب على هذه البلاد ما ينشأ بسبب ذلك الذوبان من فرص. فما الذي يمكن أن يدعو الولايات المتحدة إلى التفكير في احتياجها إلى ضم جرينلاند الودودة من أجل الدفاع عن الجبهة القطبية المهمة؟ أليست لدى الولايات المتحدة في نهاية المطاف قوات متمركزة في هذه الأرض الدنماركية ذات الحكم الذاتي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وألم تقل الدنمارك طائعة إن للأمريكيين أن يجلبوا المزيد من القوات على الرحب والسعة؟ لكن الفائدة الوحيدة التي تنجم حقا عن الملكية دون غيرها هي الحق في ثروات ما دون الأرض التي يمكن أن يكشف عنها جليد البلد حينما ترتفع درجة الحرارة.
جرينلاند ببساطة مورد نادر غير مستغل للنفط والغاز وأيضا للمعادن الأرضية النادرة التي تستعمل في صنع كل شيء من بطاريات السيارات الكهربائية وحتى معالجات مراكز البيانات أي أنها بالنسبة لأمل الولايات المتحدة في الفوز بالسباق التكنولوجي بينها وبين الصين مثل المطاط الماليزي أو القطن الهندي للاقتصادات الاستعمارية القديمة. وبرغم أنه من الخطأ في أكثر الأحيان أن نبحث عن كثير من المنهج المنطقي في الجنون الرئاسي الظاهر، فثمة وفرة من المنظرين وخبراء التكنولوجيا يدورون في فلك ترامب وهم قادرون على الجمع بين كل ذلك وإقناعه به. وفي حين أن التنقيب عن المعادن في القطب الشمالي قد لا يكون مجديا من الناحية الاقتصادية لسنين كثيرة قادمة، فإن تذمر ترامب هذا الأسبوع من «امتلاء» جرينلاند «بالسفن الصينية والروسية في كل مكان» ينم عن شخص مقتنع بأنه لا يمكن أن يسمح للمنافسين بالفوز دونه بفرصة تنموية قيمة محتملة وذلك ما يمكن أن يفهمه أي مقاول عقارات عملاق سابق. ففي النهاية، سعى ترامب في أوكرانيا إلى الحصول على حقوق التنقيب عن المعادن الأرضة النادرة في مقابل ضمانات أمنية، وفي غزة فكر في إقامة فنادق على أطلالها المقصوفة، فلم لا يسعى إلى تحقيق ربح سريع من كارثة بيئية؟
وفي حين أن هذا كله يبدو للبريطانيين عصرا إمبراطوريا جديدا، فإنه لأنصار حركة ماجا قد يحمل صدى من قصة أقرب من ذلك كثيرا إلى الطابع الأمريكي، أي قصة المستوطنين إذ يحققون الثروة باللحاق بقوافل العربات الماضية نحو الغرب موسعين حدود البلد بلا هوادة مستولين على أراضي السكان الأصليين، ومتمسكين بها بقسوة من خلال مزيج وحشي من التجارة والعنف. فليس الهدف هو غزو جرينلاند، مثلما قال وزير الخارجية الأمريكي، وإنما هو شراؤها، أو على الأقل استئجارها عسكريا بصورة حصرية. وهذه علامة على سرعة انهيار العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها السابقين، في غضون ما لا يزيد عن عام إلا قليلا، حتى ليفترض أن يكون هذا الكلام مطمئنا: يا أصدقاء، إننا نريد فقط أن نستغلكم، لا أن نقتلكم.
في ضوء سرعة نفاد صبر الرئيس الخرافية، من الصعب أن نعلم ما المصير الذي ينتظر جرينلاند. فلعله ببساطة يسأم وينصرف عن الأمر، وبخاصة فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي وتضاؤل الحاجة إلى دراما خارجية تلهي الأنظار عن الإخفاقات الداخلية. أو لعل البيت الأبيض يستعير صفحات من كتاب قواعد بوتين بدلا من ذلك، فيستغل توق أبناء جرينلاند إلى الاستقلال عن الدنمارك في إثارة اضطرابات داخلية يسهل تأجيجها في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يصور الولايات المتحدة في صورة المخلّص الكريم المغير على البلدة لتأمين أهلها وتحقيق الثراء لهم.
لكن في كل الحالات، خير لنا أن نألف فكرة أن هذه هي البداية لا النهاية لصراعات قد تنشب مع ارتفاع درجة الحرارة عالميا فتعيد رسم خرائطنا، وتفكك تحالفاتنا القديمة، وتنشى منافسة مميتة جديدة على الأرض والماء والموارد الطبيعية.
وبطبيعة الحال سيكون الوضع أسوأ على أولئك الذين يعيشون بالفعل على شفا الاستدامة، في صحاري قاحلة لا ينبت فيها أي شيء أو في بلدات ساحلية تعاني بالفعل من ارتفاع مستويات البحار، أو في أماكن أفقر من أن تحمي نفسها من العواصف متزايدة العنف، قياسا إلى أوروبا المحظوظة باعتدال مناخها. وبطبيعة الحال يمكن دائما أن تدار هذه المخاطر على نحو أفضل من خلال حكومات متعاونة تتعامل مع أحداث من قبيل ذوبان جليد الشمال بوصفه تحديا جماعيا يواجه البشر مجتمعين فعليهم أن يواجهوه مجتمعين، بدلا من أن يقيموا سباقا مميتا على تحقيق المصلحة الوطنية.
لكن في الأسبوع الذي أعلن فيه ترامب انسحاب الولايات المتحدة من مجموعة من المبادرات المناخية الدولية، يبدو أن ما أدعو إليه هنا ليس مطلقا العالم الذي نعيش فيه. فليكن أهل جرينلاند المساكين تذكرة لنا على الأقل بأن أزمة المناخ سوف تكون ذات تداعيات جيوسياسية لا يمكننا أن ندرك أبعادها الآن، وأن أي شيء لا يزال بوسعنا أن نفعله للحد من ارتفاع درجة الحرارة أو لتلطيف آثاره يبقى مهما، حتى لو لم يكن بوسعنا أن نصلح الضرر الذي وقع بالفعل عن عمد، أو بالتحديد لأننا لا نستطيع أن نصلحه.
جابي هنسليف من كتاب مقالات الرأي في ذي جارديان.
