التجسس الرقمي في الهند إنذار لكل الديمقراطيات
11 يناير 2026
11 يناير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظّفري -
يقدّم مجتمع يُفترض أنه حر مثالًا واضحًا على الكيفية التي تتحول بها المراقبة الشاملة إلى ممارسة اعتيادية. فالهند باتت واحدة من أكثر الساحات صرامة في العالم لأنظمة المراقبة الرقمية التي تديرها الدولة. وعلى مدى العقد الماضي، شيّدت الدولة الهندية، بهدوء ومن دون نقاش عام واسع، بنية أمنية رقمية موازية تتيح للسلطات اعتراض بيانات الاتصالات وتحليلها وتخزينها على نطاق هائل. وقد وضع تقرير حديث أعدته شركة «كومباريتيك» البريطانية المتخصصة في الأبحاث الهند قرب ذيل تصنيفها للدول من حيث حماية الخصوصية الرقمية للمواطنين، ولم تكن أسوأ حالًا منها سوى الصين وروسيا. ومنذ ذلك الحين، لم يتباطأ هذا المسار، بل تسارع على نحو لافت.
أحدث تجليات هذا التوجه يتمثل في مساعي الحكومة لربط شرائح الاتصال (سيم كاردس) بالتطبيقات والأجهزة عبر نظام جديد، ويُقدَّم هذا النظام، الذي يقوم عليه تطبيق حكومي يحمل اسم «سانتشار ساتهي»، (رفيق الاتصالات)، على أنه أداة لمكافحة الاحتيال وسرقة الهوية. غير أنه، في جوهره، يربط شرائح الاتصال بالتطبيقات والأجهزة، بما يتيح للحكومة الوصول إلى سجلات المكالمات والرسائل والصور وبيانات الشبكة. وقد سعت الحكومة إلى فرض تثبيت التطبيق مسبقًا على جميع الهواتف الذكية، من خلال توجيه تعليمات إلى شركات مثل «آبل» و«سامسونغ» و«شاومي» وغيرها من مصنّعي الهواتف، بما يجعل هذا الوصول واسع النطاق وآليًا، ومن دون منح المستخدمين خيار القبول أو الرفض.
غير أن موجة غضب عارمة على مستوى البلاد، قادها ناشطون ومواطنون، أجبرت الحكومة على التراجع عن القرار، لكن ذلك لم يحدث قبل أن تكشف لمحة مقلقة عن نظام أقرب إلى عالم جورج أورويل كانت تسعى إلى تطبيقه، وهو عالم يقوم على المراقبة الشاملة والسيطرة على الأفراد. فقد استندت وزارة الاتصالات الهندية إلى تعديلات جديدة في القواعد التنظيمية لتوسيع صلاحياتها، متجاوزة شركات الاتصالات لتشمل التطبيقات والخدمات التي تستخدم أرقام الهواتف. والهدف الأساسي من ذلك هو إرغام منصات التراسل على ربط الحسابات بشرائح اتصال نشطة وموثّقة، ما يؤدي عمليًا إلى تقليص هامش إخفاء الهوية لدى المستخدمين في الهند إلى حد كبير.
يأتي هذا التوسع في المراقبة فوق بنية قائمة أصلًا، هي نظام «آدهار»، وهو نظام التعريف البيومتري شبه الشامل في الهند. فقد جرى الترويج له في البداية بوصفه أداة لإيصال خدمات الرعاية الاجتماعية، لكنه بات اليوم يربط بصمات الأصابع ومسح قزحية العين بالحسابات المصرفية، ومنافع الرعاية، والإقرارات الضريبية، وأرقام الهواتف المحمولة، وحتى بالمنصات الخاصة. وبذلك تحوّل إلى مفتاح رئيسي للحياة اليومية، يمكّن الدولة من رسم خرائط للهوية والسلوك وأنماط الوصول عبر مختلف القطاعات. ولم تُقدِم أي ديمقراطية في التاريخ على إنشاء نظام بيومتري بهذا الحجم، أو دمجه على هذا النحو العميق في البنية التحتية العامة والخاصة معًا.
إلى جانب ذلك، لم تتردد الدولة الهندية في استخدام برمجيات تجسس بمستوى عسكري ضد مواطنيها. وقد تصدّرت هذه القضية المشهد عام 2023، عندما أرسلت شركة «آبل» تحذيرات إلى عدد من الصحفيين والنقّاد الهنود تفيد بأن أجهزتهم قد تكون تعرضت للاختراق. وكان معروفًا منذ فترة أن الحكومة الهندية من بين زبائن شركة «إن إس أو جروب»، المطوّرة لأداة التجسس «بيغاسوس». ويعمل النهج الهندي على مستويين متوازيين: جمع روتيني للبيانات يشمل الغالبية، وتجسس مباشر دقيق يستهدف المعارضين. وما يميز الهند عن الولايات المتحدة ليس وجود المراقبة في حد ذاته - فالتاريخ الأمريكي في هذا المجال موثّق جيدًا - بل غياب الرقابة الجدية. فمعظم هذه الإجراءات صدرت عن وحدة صغيرة للذكاء الاصطناعي والاستخبارات الرقمية لا تضم سوى سبعة أعضاء، ما يسلط الضوء على أن الحوكمة الرقمية في الهند باتت تُصاغ عبر توجيهات تنفيذية، لا عبر تشريعات شفافة، مع التعامل مع موافقة المستخدمين بوصفها أمرًا مرغوبًا فيه، لكنه ليس أولوية حاسمة أمام الأهداف الإدارية.
في الولايات المتحدة، أدت تسريبات إدوارد سنودن إلى قدر من المقاومة القضائية والتشريعية والمؤسسية لمحاولات النفاذ الواسع إلى البيانات. أما في الهند، فلا تزال الموافقات على عمليات الاعتراض خاضعة في الغالب للسلطة التنفيذية، مع قدر ضئيل من الشفافية، وأُسس قانونية لا تزال تعكس روح قوانين تعود إلى الحقبة الاستعمارية. والنتيجة بيئة تتطبع فيها المراقبة الشاملة تدريجيًا. فعندما تتقاطع الهوية البيومترية، وبيانات الاتصالات، وبيانات الأجهزة، وقدرات برامج التجسس، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بإمكان حدوث المراقبة، وأكثر تعلقًا بمدى سهولة توسيع نطاقها. وفي مثل هذه الأنظمة، تغدو الخصوصية هشّة، ويصبح الاعتراض قابلًا للتتبع، وهو ما يشكّل تحديًا مباشرًا للديمقراطية نفسها.
وكما تشير شوشانا زوبوف، مؤلفة كتاب «عصر رأسمالية المراقبة»، فإن الديمقراطية لا تتآكل حين يُراقَب المواطنون، وانما حين تُسلب استقلاليتهم بهدوء. فالأنظمة المصمَّمة للتنبؤ بالسلوك وتعديله تنزع عن الأفراد ملكة الحكم الأخلاقي والقدرة النقدية، وهما ركيزتان تقوم عليهما المجتمعات الديمقراطية. وفي هذه المعادلة، يعرف القائمون على هذه الأنظمة كل شيء عن المواطنين، في حين لا يعرف المواطنون إلا القليل عمّن يدير تلك الأنظمة. وتحذّر زوبوف من أن مثل هذا الاختلال في ميزان المعرفة يولد أشكالًا جديدة من اللامساواة تعجز القوانين والسياسة الراهنة عن التعامل معها.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لأن الضغوط الكامنة خلفها مألوفة بشكل كبير. فما زالت واشنطن، على سبيل المثال، تفتقر إلى قانون فيدرالي شامل لحماية الخصوصية، في حين تلجأ وكالات إنفاذ القانون بصورة روتينية إلى شراء بيانات شخصية حساسة من وسطاء تجاريين من دون مذكرات قضائية. وتُظهر تجربة الهند ما يحدث عندما تتقدم مبررات الأمن بوتيرة أسرع من آليات المساءلة في ديمقراطية كبيرة تمتلك تكنولوجيا قوية وضوابط ضعيفة.
الهند ليست استثناءً استبداديًا. فهي ديمقراطية انتخابية تنافسية، تضم محاكم فاعلة، وصحافة حرة، ومجتمعًا مدنيًا نشطًا. ومع ذلك، نجحت في تطبيع واحدة من أوسع منظومات المراقبة في العالم. وهذا تحديدًا ما يجعل مسارها مثيرًا للقلق على الصعيد العالمي. فالهند تقدم نموذجًا استباقيًا للكلفة السياسية والاجتماعية والديمقراطية المترتبة على السماح بتوسع نفاذ الدولة إلى البنية الرقمية من دون قيود.
رانا أيوب: صحفية هندية ومؤلفة كتاب «ملفات غوجارات: كواليس التستّر على الحقيقة».
عن واشنطن بوست.
