السلطان هيثم.. القيادة الواثقة في زمن المتغيرات الكبرى

10 يناير 2026
10 يناير 2026

لا يُمكن النظر إلى مشهد (الدولة المتجددة) في عُمان دونما محاولة لقراءة فلسفة التنمية عند جلالة السلطان هيثم بن طارق - أيده الله- وتجليات تلك الفلسفة في المنجز التنموي المشهود والملموس في واقعنا اليوم؛ فالناظر المتعمق إلى ما تحقق خلال الأعوام المنصرمة بعد تولي جلالته مقاليد الحكم في يناير 2020 يدرك أن ما تحقق ليس مجرد مشروعات وإجراءات وتحسينات في هياكل الدولة والإدارة والاقتصاد والمجتمع؛ بل هو محاولة كتابة عهد جديد بسرديته، وبقواعده التي تتناسب مع السياق العالمي المتغير والمضطرب، والذي لا يمكن البقاء فيه دونما تحقق شرطيات (حفظ سيادة الدولة كقيمة عليا)، و(تسريع وتيرة النمو والتنوع الاقتصادي) كقيمة مركزية، و(حفظ النسيج الاجتماعي) كقيمة ممكنة وداعمة، و(الانخراط البناء في المشهد العالمي بمنظور اقتناص الفرص وبراغماتية الاقتصاد).

كل تلك الشرطيات كانت حاضرة في ذهن القيادة ونراها قد تجسدت في مجمل التوجهات والإجراءات ومنظومة الحراك التنموي التي شهدتها الفترة الماضية.

إن فلسفة التنمية عند جلالة السلطان هيثم إنما تتسم بالوضوح المرحلي، وترتكز في تقديرنا على ستة موجهات رئيسية، وهي: تبني مبادئ الواقعية في السياسة والاقتصاد داخليًا وخارجيًا، والبناء على المكتسب التنموي مع عدم إغفال صياغة سردية تنموية جديدة تمكن عُمان من التموضع في ظل المتغيرات العاصفة، وضبط معادلة الإصلاح الاقتصادي في مقابل الأمان الاجتماعي، والانتقال بدور الحكومة من مقدم ومسير للخدمات والأعمال إلى حكومة موجهة بالمؤشرات والجودة والتنافسية، والاندماج المتوازن والمنضبط لسلطنة عُمان في الاقتصاد الجديد، عوضًا عن خلق نمط القيادة المتفاعلة مع مجتمعها، ومع الفرص التي تتيحها التحولات الكبرى، والمستشرفة للمستقبل بروح التمكين والريادة.

شكلت هذه الموجهات منطلقًا أساسيًا يصل بين كلما أنجز خلال الفترة المنصرمة. ولعل ما مميز قيادة جلالته هو التأكيد المستمر على الأهداف المرحلية، والتنبيه المستمر إلى ضرورة تحقيق الأجندة الوطنية لكل مرحلة بعزم وبمساءلة مستمرة، وإشراك المجتمع في سردية الطموح، والرقابة على تحقيق الأهداف.

فإذا أخذنا ملف التوازن والاستدامة المالية كـ (أجندة مرحلية)، فلا يغفل أحد أن الاختبار الأصعب الذي واجه القيادة في مرحلة انتقال السلطة هو الملف المالي، في وقت لا يسمح بخيارات تأجيل الأزمة أو الاعتماد على حلول مؤقتة؛ ومع الإجراءات التي تم انتهاجها بما في ذلك إجراءات الترشيد الحكومي ورفع كفاءة الإنفاق وإعادة توجيه بوصلة المشاريع التنموية، بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل، وإعادة توجيه الدعم، نجد أن كل ذلك كان واضحًا وحاضرًا في سردية القيادة، سواء كان في الخطابات التي ألقاها جلالته، أو في لقاءاته المباشرة مع النخب الاجتماعية، أو التوجيهات والبيانات الصادرة من مجلس الوزراء، أو في سردية الإعلام الرسمي، بحيث يكون المواطن في قلب الأجندة الوطنية، واعيًا بمقاصدها المرحلية، ومنسجمًا مع أهدافها وضرورتها لاستكمال مشهد التنمية. الأمر الذي كان نتاجه التحسن في مختلف المؤشرات المالية المقصودة، والسماح للدولة بالتحرك ضمن حيز مالي واسع والانتقال إلى فكرة (الاستدامة المالية) التي تركز على التحول من «سد العجز» إلى «صناعة التمويل».

وهكذا الحال بالنسبة لملف تنمية المحافظات، فالفلسفة هنا لم تكن قائمة على الفلسفة التقليدية (إيصال الخدمات الأساسية وتجويدها في جغرافية عُمان)، بل كان تحولًا نحو (جغرافية التنمية ذاتها) بقصد خلق قواطر متعددة جغرافيًا وقطاعيًا للنمو، وتمكين اللامركزية بالبنى الأساسية والاقتصادية التي تمكنه من مراكمة النمو الاقتصادي وتنويعه، وتسهم في إشراك الطاقات الإنتاجية على مستوى كافة الوحدات، بما في ذلك رأس المال البشري، والقطاعات الإنتاجية، والموارد سواء في ذلك الطبيعية أو المعنوية التي تتسم بها محافظات سلطنة عُمان، وعلى نفس النسق كان وضوح أجندة المرحلة والتأكيد عليها حاضرًا في مختلف طبقات الخطاب السياسي.

إن ما ميز المرحلة الفائتة هو إجادة خلق الزخم التنموي المناسب والممكن لتحقيق الأجندة الوطنية، ذلك الزخم الذي يستطيع تسخير الطاقات والمقدرات الوطنية لتمكين أهداف المرحلة، ويمكننا أن نسرد أهم الملفات التي حظيت بهذا الزخم بشكل واضح ومنها التركيز على (منظومة إصلاح التشريعات)، و(إعادة رسم أدوار الحكومة وهياكلها وتوجيهها بالرقمنة ومؤشرات الأداء)، و(استكشاف أفق جديد للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية موجه بالعوائد المباشرة والفرص الحقيقية)، و(تسريع وتيرة إنجاز مشروعات البنى التحتية الملحة المسرعة للاقتصاد المحلي والداعمة لأنشطته)، و(الاهتمام الموسع بملف الاقتصاد الرقمي وتنمية بنى المعرفة وتسخيرها لخدمة الأغراض الاقتصادية)، و(بناء أساس واضح ومتين للانتقال من الرعاية الاجتماعية بمفهومها التقليدي إلى منظومة متكاملة ومؤسسية ومستديمة للحماية الاجتماعية).

تلك الملفات شكلت أيقونات التنمية وأجندتها في المرحلة المنقضية، وكانت فيها الرؤية دقيقة، والعزم على تحقيق الأهداف موجه أصيل، والمتابعة الحازمة سمة، في عالم اتسم في غالب فتراته بثلاث سمات مهمة: الانقسام والتكتل المفرط وحساسية المواقف السياسية والدفع نحو التكتل، وسمة عدم اليقين في المتغيرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتوالية ونشوء أنماط واسعة غير محسوبة من المخاطر يستوجب الانتباه لها (منهجيًا وسياساتيًا)، أما السمة الأخرى فكانت في سرعة واستباقية المتغيرات الاجتماعية التي تتصل فيها مجتمعات العالم، بما في ذلك تغير توقعات الأجيال، ومخاطر الفضاءات الإلكترونية، وتهديدات أمن المجتمعات الرقمية، وموجات عصر التزييف.

ووسط كل ذلك كانت القيادة في عُمان واضحة في الموازنة بين كل ذلك، ووضع نهج دقيق لحساب المخاطر، والانتقال إلى اقتناص الفرص الممكنة، وتوجيه الموارد الوطنية نحو وضع عُمان المستقرة في داخلها، والتنافسية في محيطها، ولعل ما ذكره معالي الدكتور وزير الإعلام في سياق حديثه عن اجتماع مجلس الوزراء الموقر الأخير برئاسة جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- يلخص كل ذلك بالإشارة إلى أن هم القيادة وأولويتها هو التركيز على الداخل واستقراره وحمايته في ضوء كل المتغيرات العاصفة التي يشهدها العالم.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان