No Image
بريد القراء

الإجازة الذكية: استثمار للوقت وتنمية لمهارات الأبناء

01 يناير 2026
هاني محمد العيسوي
01 يناير 2026

مع انقضاء الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 2025 / 2026، تحل إجازة منتصف العام الدراسي بوصفها محطة تربوية دقيقة، تتجاوز كونها فترة فراغ مؤقتة لتصبح مساحة زمنية خصبة لإعادة ضبط العادات، وصقل المهارات، وتنمية الشخصية بما يضمن التوازن النفسي والمعرفي، ويحافظ على المكتسبات التعليمية والتربوية التي اكتسبها الطالب خلال الفصل الدراسي الأول، ويهيئه لاستقبال فصل دراسي جديد بروح نشطة وعقل يقظ.

ولا يخفى على أي من المربين أهمية الشراكة الإيجابية بين البيت والمدرسة، التي تحقق النجاح التحصيلي والتربوي للأبناء. فهذا التناغم وتكامل الأدوار، من حيث توجيه السلوك وتقديم التعليم والتقويم والتوجيه التربوي، يجعل الأبناء في حالة تأهب لاستقبال كل ما هو مفيد وطرد كل ما هو مسيء، بحكم وحدة المسار وتشابك الأدوار.

إن الإجازات الطويلة نسبيا، بما تمنحه من وقت فراغ، قد تتحول إلى خطر جاثم إذا أفرط الأبناء في استخدام الأجهزة الإلكترونية بلا حدود ضابطة.

فالاستخدام المفرط للشاشات لا يقتصر أثره على الترفيه اللحظي، بل يمتد ليهدد التركيز والانتباه، ويضعف التنظيم الذاتي، ويخفض مستوى الصبر والمثابرة، وهي مقومات أساسية للنجاح الأكاديمي وتكوين الشخصية الواعية والقادرة على التفاعل الاجتماعي البناء.

وتزداد خطورة الموقف مع مشاهدة المقاطع القصيرة (الريلز)، التي تتسم بسرعة الإيقاع والتنقل المفاجئ بين الموضوعات المختلفة، بل المتناقضة أحيانا، وعدم اكتمال الفكرة، مما يؤدي إلى تشتيت الذهن وضعف القدرة على التفكير العميق والتحليل.

ناهيك عن الألعاب الإلكترونية وما تسببه من خمول بدني، واضطرابات النوم، وآلام العمود الفقري، فضلا عن التأثيرات النفسية من زيادة الانفعال والانطواء وضعف مهارات التواصل الواقعي، ويؤكد الواقع التربوي هذا التأثير الناتج عن الاستخدام غير المحسوب للألعاب الرقمية.

كما لا يغيب عن بالنا تعرض الأبناء للمحتوى الإعلامي والإعلاني غير المناسب، والذي قد يتعارض مع القيم الدينية والمجتمعية الصحيحة والمبادئ السليمة، ويطرح أفكارا لا تتناسب مع المرحلة العمرية، مما يجعل الأبناء عرضة لتلقي رسائل مشوهة ومشوشة تؤدي إلى تطبيع سلوكيات خاطئة تولد ضعف الانتماء الأخلاقي والاجتماعي.

وتتفاقم الأخطار الأخرى بما نشهده من قلب الساعة البيولوجية الطبيعية للأبناء؛ حيث ينامون نهارا ويستيقظون ليلا، وزيادة السهر على حساب النوم الصحي، وهذا بدوره يؤثر سلبا على النشاط العقلي، ويؤدي إلى تضييع أوقات الصلاة، ويضعف التركيز والانتباه، ويرهق الجسم والعقل.

وهنا نصل إلى خطر كبير وهو تعرض الأبناء للتواصل مع مجهولي الهوية على الشبكات، وعبر وسائل التواصل المختلفة. ولم يعد يخفى على أحد خطورة الحوادث الناتجة عن التواصل غير المحسوب مع الغرباء، ومنها الدخول في مشكلات اجتماعية ونفسية، وصولا إلى عمليات الابتزاز والخسائر المالية، وجمع معلومات عن الأطفال وأسرهم قد تستخدم في أمور تخالف القانون. كما أن الفئة الأكبر عمرا من الأبناء قد تتعرض لمسارات فكرية خاطئة لا يتم طرحها بشكل تربوي صحيح، وكل ذلك يستدعي إشرافا دقيقا من قبل الأهل على سلوكيات الأبناء الرقمية.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في التقنية ذاتها، ولا نريد تصوير التقنية بهذه الصورة القاتمة، بل أردنا التأكيد على أن غياب التوجيه، وغياب البدائل الهادفة، وترك الوقت بلا تنظيم، هي المسببات الرئيسة لتفاقم هذه المشكلات، وزيادة عددها وحدتها وتأثيراتها في مختلف الجوانب.

التربية الرشيدة المتوازنة لا تقوم على المنع المطلق، كما لا تقوم على الإطلاق غير المحسوب، إنما تستوجب من المربين والآباء تنظيم الاستخدام، وضبط المحتوى، وبناء الوعي الذاتي لدى الأبناء والإشراف الدقيق. وهنا سأطرح بعض البدائل التربوية الفاعلة التي قد تكون معينا للآباء في معالجة هذا الموضوع:

-تشجيع الأبناء على ممارسة الرياضة المنتظمة لتعزيز الصحة البدنية وتنمية الانضباط والتركيز.

-تشجيع الأبناء على الانخراط في الأنشطة الزراعية المنزلية، وأن يكون لديهم ما يهتمون به، مما يرسخ التعلم التجريبي والصبر والمسؤولية.

-التشجيع على حفظ القرآن الكريم وتدبر معانيه، وقراءة القصص الهادفة لتعزيز الاتزان النفسي والسلوكي.

-فتح المجال للمشاركة في الأعمال الاجتماعية والتطوعية لتنمية الانتماء وروح العطاء والذكاء الاجتماعي.

-العمل على تنمية الهويات الفردية والميول العلمية والفنية كالقراءة والفنون والبحث، والمهارات التقنية الموجهة بما يعزز التفكير النقدي والإبداعي.

إن التوازن يجعلنا نفكر في كل الزوايا، ونتساءل: كيف نريد أن نقدم أبناءنا للمجتمع؟ والله تعالى أمرنا بشكل واضح وصريح: «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا»، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فالوقاية الحقيقية تقوم على الوعي والإرشاد، والتوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الثقة والمتابعة، وبين اللين والحزم.

إن الأبناء هم ثروة الوطن الحقيقية، والوقت الذي يُستثمر في بنائهم اليوم هو ما يصنع معالم الغد. فلنجعل من هذه الإجازات محطات بناء واعية، يعود بعدها الأبناء إلى مقاعد الدراسة أكثر نضجا، وأعلى دافعية، وأعمق وعيا بالقيم والمبادئ الإنسانية.