No Image
ثقافة

مارتن فالزر... الساحر الشرس

01 أغسطس 2023
01 أغسطس 2023

هل يجب أن نقرأ الكاتب، أي كاتب، وفقا لأهوائه السياسية أم علينا فعلا أن نقرأه وفقا لما يقدمه لنا من أدب حقيقي؟ سؤال انسقت إليه وأنا اقرأ خبر رحيل الكاتب الألماني الكبير مارتن فالزر، ليل الخميس ـــ الجمعة الماضي، عن 96 عاما «مواليد 1927»، وفق ما أعلن ناشره. (نقلت ثلاثة من أعماله، على حدّ علمي، إلى العربية، وهي «جواد نافر» (ترجمة علي أحمد محمود «منشورات الجمل») و «رجل عاشق» (ترجمة سمير جريس، عن «شرق غرب للنشر») و«حياة فتاة أو القديسة» (ترجمة أحمد الزناتي، عن «الأهلية للنشر والتوزيع»).

فعلى الرغم من المكانة الأدبية الرفيعة التي يتمتع بها في بلاده كما في أوروبا، وحصوله على أبرز الجوائز الأدبية «وإن كانت لا تدل على شيء في الواقع»، إلا أن استقبال أعماله كان يصطدم دائما بمواقفه السياسية التي تثير انتقادات شتى، إن من قبل القراء وإما من قبل النقاد، حتى لو اعترفوا بأنه أحد الكتّاب الرئيسيين في تجديد الأدب الألماني الحديث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ثلاثة كانوا أبطال هذا التجديد وهم هاينرتيش بول وغونتر غراس اللذان حازا جائزة نوبل للآداب، بينما لم يفز فالزر بها، فلربما كان لهذه المواقف الأثر في حجبها عنه.

***

في عام 1957 جاءت روايته الأولى «رقص رباعي في فيلبسبورغ» لتحقق نجاحًا كبيرًا، وتتوج بجائزة هيرمان هيسه؛ وهي عبارة عن هجاء لاذع للبرجوازية، ومن خلالها، لبعض المجتمعات الأوروبية المعينة حيث تدور آلياتها «في الفراغ»؛ صورة لأخلاق ذلك العصر، عبر قصة زوجين، لتتوسع بشكل مطرد وتأخذ أبعاد لوحة جدارية لتصف عالما كاملا خسيسا ومغرورا، عالما تافها وفق الكاتب، أدى إلى الحرب العالمية الثانية. بعد خمس سنوات، أثار ضجة واسعة بمسرحيته «بلوط وأرانب الأنغورا»، قصة شبه مأساوية وشبه ساخرة، في الوقت عينه، عن مُبعَد سياسي أصبح «مجنونًا روحانيا» مع انتهاء الحرب، يقضي وقته يهذي بإهاناته النازية. ثمة تأريخ فيها لألمانيا والألمان الذين انتقلوا من كارثة الحرب (كما وجدنا في «رقص رباعي...») إلى ازدهار جديد؛ لكن علينا الانتباه أنه قبل ذلك بثلاث سنوات، كان غراس قد سبقه بإيقاظ «شياطين الرايخ الثالث المدفونة» في روايته «طبل الصفيح».

بعد ذلك، ثلاثيته التي دارت حول شخصية أنسلم كريستلين، وتتألف من «بين الشوطين» و«وحيد القرن» و«السقوط»، ويلقي فيها نظرة ساخرة على المجتمع، فعبر اعترافات البائع المتجول، كريستلين، يتغلغل المؤلف في مجتمع رجال الأعمال ليدين بسخرية قضية الإعجاز الاقتصادي وتغريب الرجل الذي يعتقد أنه يستفيد منها، كما ينتقد «اعتباطية التوافق»، من خلال «تفاهة» أبطال لا يمكن تحديدهم فعلا. والمفارقة، أنه في النمسا، كان هناك كاتب كبير آخر باللغة الألمانية هو توماس بيرنهارد يكتب المناخ عينه، وإن نحا أكثر صوب السخرية.

توالت أعماله، ومن بينها سيرته الذاتية «أنا لست بخير»، التي يروي فيها عن كاتب في الأربعينيات من عمره، فقد مصدر الإلهام في الكتابة، فيجد خلاصه في الالتزام السياسي مع اليسار. وبرغم هذا العائق ـــ فقدان الإلهام ـــ يستمر فالزر في تقديم روائعه التي بقي مخلصا فيها لموضوعاته المفضلة»: الخيانة والشعور بالذنب والأكاذيب. مثلما نجد ذلك في «منزل البجعات» وهي عن سمسار يكافح من أجل الخروج من مرحلة المراهقة و«دورن أو متحف الطفولة» التي يقدم فيها لوحة مظلمة من تاريخ ألمانيا، تبدأ بتدمير طائرات الحلفاء لمدينة دريسدن وتنتهي عشية سقوط جدار برلين.

روايات فالزر، كما يقول في حديث صحفي مع «مجلة العَالَمَين» الفرنسية (2007): «هي إجابات لهذا العالم، أي عن التجربة التي عشتها فيه... الكتابة بالنسبة إليّ تعني أن أقول شيئا بطريقة أجمل مما هو عليه الواقع. دائمًا ما تكون نقطة البداية تجربة مؤلمة، بحيث لا يُحتمل العالم إلا من خلال الكتابة».

***

من أين يأتي كل هذا «العداء» تجاه فالزر، هذا «الساحر الشرس» كما وُصِف؟ بمعنى آخر، ما هي المواقف التي انتقِدَ عليها؟ بداية، هناك هذا الحكم الرهيب على مجتمع «برجوازي متخم إلى حد الاشمئزاز»؛ والأهم هو أن الكاتب جعل من تاريخ ألمانيا وعواقب النازية مركزا أساسيا في مجموعة كبيرة من أعماله (25 رواية تقريبا ومجموعات من القصص القصيرة ومقالات ويوميات «بدأها عام 1944 ونشر الجزء الأول منها عام 2007» وحوالي خمسة عشر مسرحية). كذلك «ميله» ورغبته في قمع» الماضي النازي الذي عرفته بلاده، إذ كان يعد أن التكرار المستمر لتمثيل هذه الجرائم، لن يفعل شيئا في الواقع، سوى تتفيه الرعب الحقيقي الذي خلفته هذه الجرائم. هذا الكلام، أعاد قوله، بطريقة أخرى في خطابه الذي ألقاه عام 1998، حين حاز جائزة المكتبات في فرانكفورت (أو جائزة السلام، وهي أكبر الجوائز الأدبية الألمانية) عن كتابه «نبع حيّ» (عاد ليتحدث فيه طفولته) حين قال إن لألمانيا الحق في اعتبار نفسها «أمة بالغة وغير مقيدة»، مضيفا أنه يعتقد بأن صدمة «أوشفيتز» قد تمّ استغلالها، لذا يجب أن «نتوقف عن التذكير الدائم بالخطأ» الذي ينظر إليه على أنه «نادي أخلاقي» مدعيا أن «يريد النظر بعيدا عن التمثيل الدائم المتكرر لعارنا». كلمة أثارت يومها جدلا كبيرا في ألمانيا، ومن القلائل الذين دافعوا عنه كان غراس.

جدل آخر اندلع في الأوساط الثقافية، بعد أربع سنوات، مع كتابه «موت ناقد»، الذي هاجم فيه بعنف أشهر ناقد أدبي في ألمانيا، مارسيل رايش رانيكي، وهو بولندي يهودي نجا من مخيمات الاعتقال النازية في وارسو، وأصبح ألمانيّا، وأحد أهم النقاد الصحفيين، لدرجة أن مجلة «دير شبيغل» وضعت ذات يوم صورته على الغلاف وهو يمزق كتابا لـــ غراس، كدليل على سوئه. أثار «موت ناقد» فضيحة جديدة وأدى إلى اتهامه بمعاداة السامية، وبأنه أصبح قوميًا محافظًا.

حتى النهاية، لم يتوقف مارتن فالزر عن اتخاذ مواقف علنية، ما جذب له عداوات جديدة. في أبريل 2022، شارك في توقيع خطاب مفتوح موجه إلى المستشار أولاف شولتز، يعارض فيه تسليم أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا.

***

عود على بدء، كيف ينبغي قراءة كاتب؟ عبر الأدب طبعا ولا شيء آخر. فلو قيض لي شخصيا أن أختار، لوضعت فالزر قبل غراس وبول وانغبورغ باخمان وكريستا وولف، والكثير غيرهم ممّن شكلوا جيل 1947 الأدبي.