ثقافة

دورة متخصصة حول استعادة النصوص التراثية وتنقيتها من تحريفات النسخ

05 أبريل 2026
تمتد لثلاثة أيام بمشاركة خبراء دوليين
05 أبريل 2026

أقام مركز ذاكرة عُمان دورة (تحرير النص التراثي) بمقر المركز بالمعبيلة الجنوبية، وتستمر الدورة حتى بعد غد بمشاركة 170 متدربًا.

جاءت هذه الدورة لتعين المتدربين ليعودوا بالنص إلى صفائه، وذلك بتخليصه من "أكدار" النسخ عبر عملين يُعبر عنهما بالتحرير، الذي يعيد بالنص إلى نشأته التاريخية الأولى قبل أن يشوهه النُّساخ المُسَّاخ، وهذان العملان: المعالجة والضبط.

وشارك في تقديم الدورة التي تختتم بعد غد بعد 3 أيام عمل، الأستاذ الدكتور محمود مصري -عضو الهيئة التدريسية بجامعة محمد الفاتح بتركيا والمدير العام لدار المخطوطات بإسطنبول-، الذي تناول النص التراثي ومصطلحات تحقيقه، وتقويم النص وترميمه، وضبط النص، مقدّمًا تطبيقات على معالجة النص.

وأشار الأستاذ الدكتور محمود مصري إلى أن الناس اتخذوا مواقف متباينة تجاه التراث المخطوط، فمنهم من اختار القطيعة، ومنهم من تبنى موقفًا عقلانيًا قائمًا على رعاية هذا التراث، والتي تتحقق أولًا بالوعي بالمنظومة القيمية التي يحملها المخطوط، إذ تتجلى فيه قيمة معرفية تتمثل في محتواه العلمي، وقيمة تاريخية تعكس إسهامه في مسار العلوم ضمن الحقل الذي ينتمي إليه، إلى جانب قيمة وظيفية تُعنى بإمكانية الإفادة منه وتفعيله في الحاضر. كما يحمل المخطوط قيمة مادية بوصفه كيانًا ملموسًا يستوجب الحفظ والدراسة، ضمن مجالات متعددة ومتفرعة.

وأكد مصري أن العناية بالمخطوط تقتضي خدمته عبر جهات ومقاربات متنوعة، بدءًا من حفظه وصيانته، مرورًا بتوثيقه، وتحقيق نصوصه ونشرها، ودراسة جوانبه الفنية، وتتبع نشأته وتاريخه. وقد تفرعت عن هذه الجوانب علوم متعددة، يشكّل مجموعها حقل العناية بالتراث المخطوط وخدمته.

وفي إطار تحرير النص التراثي، تبرز أهمية الإلمام بمصطلحات علم تحقيق النصوص، إذ إن لكل علم مصطلحاته التي تمثل أساسه المنهجي. ويُعد علم تحقيق المخطوطات اليوم علمًا قائمًا بذاته، رغم ما يُلاحظ من اختلاف بين الباحثين حسب مصري في تحديد مصطلحاته وضبط مفاهيمه، حيث يميل بعضهم إلى توسيع دلالات المصطلح الواحد، في حين يتجه آخرون إلى التصنيف والتفريق بين المصطلحات المرتبطة بعلم التحقيق.

وسلط الأستاذ الدكتور فيصل الحفيان -باحث ومحقق وخبير مخطوطات والمدير السابق لمعهد المخطوطات في القاهرة- الضوء على إصلاح النص وإقامته، وما يُهمل ويُثبت من الفروق، مقدّمًا تطبيقات على ضبط النص ونقد النماذج.

واستعرض الحفيان "دوحة التحقيق" في علم تحقيق المخطوطات في هيئة شجرة متكاملة، حيث تمثل الجذور الأسس العلمية التي يقوم عليها هذا العلم، من إتقان اللغة العربية وعلومها، ومعرفة التاريخ والتخصص المرتبط بالنص، والإلمام بعلم المخطوطات والخطوط القديمة، بينما يجسد الجذع المراحل المنهجية الأساسية لعملية التحقيق، في حين تتفرع الأغصان لتعبر عن الجوانب التطبيقية كدراسة المؤلف والكتاب وتوثيق النصوص وفهم سياقها، وتأتي الأوراق لتختزل المهارات الدقيقة التي يتطلبها هذا العمل، مؤكدًا أن تحقيق المخطوطات علم مركب يقوم على معرفة عميقة ومنهج واضح ودقة عالية في التعامل مع النصوص.

وعرج الحفيان على "معالم التحقيق"، مقدّمًا تصورًا منهجيًا متكاملًا لعلم تحقيق النصوص، إذ ينطلق من تأسيس المفاهيم عبر محور "المصطلحات" الذي يُعرّف بالنص وموضوعه وصناعته بوصفه قاعدة الوعي النظري، ثم ينتقل إلى محور "العمل" الذي يشكل قلب العملية، قبل أن تكتمل المنظومة بمحور "الخدمة" الذي يعنى بدراسة النص والتعريف بمؤلفه، وإثرائه بالتعليقات والشرح والإحالات، وإلحاقه بالفهارس والكشافات، ثم إخراجه في صورة علمية منضبطة.

وتأتي هذه الدورة ضمن فعاليات المركز للموسم الثقافي ليوم المخطوط العربي الذي يصادف الرابع من أبريل من كل عام، وتمتد فعاليات الموسم من 30 مارس وحتى 7 أبريل 2026، حيث أقيمت اليوم محاضرة بعنوان "كيف تسهم فهرسة المخطوطات والوثائق في بناء التاريخ العلمي والاجتماعي والسياسي المفقود" يُقدمها الدكتور عبد العاطي الشرقاوي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة علم لإحياء التراث والخدمات الرقمية.

والجدير بالذكر أن مركز ذاكرة عُمان مؤسسة علمية ثقافية تعنى بالتراث الفكري والثقافي، وتهتم بالبحث والجمع والتسجيل والتوثيق، وحفظ البيانات والتصنيف والفهرسة، وتحقيق التراث والدراسات والنشر.