متحف عين الكسفة.. ذاكرة حيّة تستعيد تفاصيل المجتمع العُماني وتدعم السياحة الثقافية
العُمانية: تسهم المبادرات الفردية بسلطنة عُمان عبر حضورها الفاعل لصون الموروث الثقافي وتعزيز الهُوية الوطنيّة، ومن خلال مشروعات نوعية تُعنى بتوثيق تفاصيل الحياة العُمانية القديمة ونقلها للأجيال في دعم السياحة الثقافية وإبراز العمق الحضاري للمجتمع العُماني.
وتُعد ولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة إحدى الولايات الغنية بالإرث الحضاري والطبيعي؛ حيث تحتوي على العديد من المقومات السياحية، من أبرزها عين الكسفة التي تُعد من الوجهات الطبيعية المعروفة بما تتميز به من ينابيع حارة وطبيعة جاذبة للزوار.
وفي هذا السياق، يبرز "متحف عين الكسفة" كمبادرة تراثية خاصة يشرف عليها خلف بن حارث الذهلي؛ حيث تأسس المشروع في عام 2018م، قبل أن يتم افتتاحه رسميًّا في عام 2022م، ليكون وجهة ثقافية وسياحية تستعرض ملامح الحياة العُمانية القديمة بأسلوب توثيقي متكامل.
وقال الذهلي: إن فكرة إنشاء المتحف جاءت بدافع شخصي نابع من شغفه بالموروث الشعبي، وحرصه على جمع المقتنيات التراثية من مختلف البيئات العُمانية، لحفظها من الاندثار وتقديمها للأجيال في قالب معرفي يعكس أصالة المجتمع العُماني، مع اهتمام خاص بتوثيق تاريخ ولاية الرستاق، والعلماء الذين أسهموا في نهضتها، إضافة إلى الحارات القديمة وما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية عميقة.
ويضم المتحف ما يقارب من 3000 قطعة متنوعة، تشمل مقتنيات تراثية وأثرية وأدوات حياتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية في الماضي، من بينها الأسلحة التقليدية كالسيوف والرماح، إلى جانب الخناجر العُمانية والفضيات المشغولة يدويًّا، إضافة إلى العملات والمسكوكات التي توثق تاريخ التعاملات النقدية. وتُعد من أبرز وأقدم المعروضات في المتحف عملة تعود إلى عهد السّلطان برغش بن سعيد في زنجبار، والتي تمثل قيمة تاريخية توثّق مرحلة مهمة من التاريخ العُماني المرتبط بشرق إفريقيا.
ويحتوي المتحف على أركان متعددة ومتخصصة، تشمل ركن السعفيات العُمانية، وركن العملات العُمانية والعالمية، وركن الساعات القديمة، وركن الطب الشعبي والصيدلية العُمانية، إضافة إلى أركان الفضيات والنحاسيات، وركن المقتنيات الأنتيكية الذي يحتوي على أجهزة قديمة مثل المسجلات والراديو والجرامافونات والكاميرات والهواتف.
ويضم المتحف كذلك ركن الاستوديو التراثي والمكتبة السمعية والمرئية، وركن البيئة البدوية العُمانية، وركن الصخور والأحجار، إلى جانب مكتبة متخصصة تحمل اسم "مكتبة متحف عين الكسفة"، تُعنى بالمراجع التراثية والتاريخية، فضلًا عن أركان تعريفية لعدد من المؤسسات، من بينها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ووزارة التراث والسياحة.
ولا يقتصر دور المتحف على عرض المقتنيات، بل يمتد ليشمل الجانب التعليمي والثقافي؛ حيث ينظم فعاليات وطنية مثل الاحتفال باليوم الوطني، إضافة إلى تقديم دروس تقوية لطلبة دبلوم التعليم العام، في إطار دوره المجتمعي والتعليمي.
ويستقبل المتحف سنويًّا نحو 3400 زائر من داخل سلطنة عُمان وخارجها، كما أسهم المشروع في توفير فرصة عمل مباشرة؛ حيث يعمل به موظف عُماني يتولى استقبال الزوار والتعريف بمحتويات المتحف، في خطوة تعكس البعد الاجتماعي للمبادرة ودورها في دعم الكوادر الوطنية.
ويُعد متحف عين الكسفة أحد أقسام "مؤسسة السياحة المتكاملة" بولاية الرستاق، التي تهدف إلى تنظيم الجولات السياحية في الولاية والتعريف بمقوماتها الطبيعية والتاريخية، بما يعزز حضور الرستاق كوجهة سياحية متكاملة.
ويمثل متحف عين الكسفة نموذجًا ناجحًا للمشروعات الفردية التي تجمع بين الشغف بالتراث والوعي بأهميته؛ حيث أسهم في حفظ الذاكرة المجتمعية وتعزيز الهوية الوطنية، إلى جانب دوره في تنشيط الحركة السياحية في ولاية الرستاق، وترسيخ مكانتها كوجهة ثقافية متميزة في سلطنة عُمان.
