لماذا يموت التذمر في نزوى!؟

19 فبراير 2023
19 فبراير 2023

حينما كنا صغارا لم نكن نشعر في حارتنا القديمة كثيرا بذلك العمل العظيم الذي يقوم به الآباء في سوق نزوى، كان الجميع دون أي كلل يستخدمون السوق من أجل عرض بضائعهم المختلفة لكل الناس ولو كانت بضاعة صغيرة عبارة عن جذب نخيل أو قفير ليمون وغيرها من بضائع يشتهر بها سوق نزوى.

كان هؤلاء الآباء بقمة روعتهم حينما يجلبون معهم للسوق أطفالهم أيام الإجازات أو أوقات فراغهم وبالأخص بمزايدات المناداة يوم الجمعة، كانوا يعلمون أطفالهم تجارتهم ويشغلونهم بالأدب وحسن التعامل مع الناس، كانوا يزرعون فيهم حب العمل وعدم الخجل من الكسب الحلال ولو بالشيء البسيط، لأنهم مدركون تماما بأن عطاء أطفالهم حينما يكبرون سيصبح أجمل وأفضل.

لذا أصبح العيدان معنا ليس فقط للفرح واللعب، بل مدرسة تجارة والاعتماد على النفس حينما تشاهد الأغلب يسعون من أجل رزق حلال.

نحن في نزوى لدينا هبطة العيد مستمرة حتى آخر يوم من الإجازة الرسمية، أي في جميع أيام أعيادنا نذهب للسوق ونحن أطفال بعد صلاة العصر إلى المغرب كي نشتري لنا مجموعة من الألعاب البسيطة أو قشاط العيد، كنا هناك ندخل في مدرسة بديعة يتعلم فيها الأبناء من آبائهم بيع كل تلك الأشياء المرتبطة بطفولتنا، نحن المستهلكين لم نكن نعي كثيرا تلك الساحة التي تصنع تجار المستقبل.

الصغار هناك بالأمس هم من أصبح اليوم جلهم كبار تجار نزوى، هم من طوروا الصناعات الحرفية والحلوى والعديد من المشاريع، أصبح الجميع ينبض بالاعتماد على النفس مع التحصيل العلمي، ليواصلوا صناعة الآباء وتجارتهم فعلقت بهم منذ الصغر وصقلوها الآن في كبرهم ويورثونها في كل لحظة لأطفالهم.

كان لقرار الحكومة الذي توافق مع رغبة الأهالي أن تصبح التجارة في نزوى دون عمالة وافدة، وبالتالي أصبحت 99% من المشاريع بيد أهل نزوى التي تميزت بسوق يعج بالعمانيين المعتمدين على ذواتهم ضاربين أروع الأمثلة في تتبع الرزق ومحاربة التذمر بشتى الطرق.

لذا مات التذمر لدى الغالبية وأصبح العطاء هو السمة البارزة للجميع وكأنه طبع متوارث بين الأهالي.

لقد شاء القدر أن أشارك قبل أيام في فعاليات قلعة نزوى من خلال وزارة الثقافة والرياضة والشباب وتحديدا دائرة المخطوطات بمعرض صغير للمخطوطات العمانية، ولن أخفيكم كمية السعادة التي غمرتني وأنا أشاهد القلعة يديرها شباب نزوى من خلال شركة أهلية اسمها بوادر نزوى العالمية حولت القلعة إلى بهجة وحياة ودعم للمشاريع الصغيرة والأسر المنتجة.

وأنا هناك شاهدت من ضمن المعرض الاستهلاكي للأسر المنتجة طفلا رائعا أنيق الملبس مهذبا للغاية ومتحدثا لبقا يعمل في بيع بعض المأكولات برفقة ابن خالته فاقتربت منه وتعرفت عليه.

هو سالم الحراصي الطفل الذي يدرس الآن بالصف الثامن، وبالطبع الجميع يعلم أن هذه الفترة هي فترة إجازة لجميع الطلاب.

قال لي سالم بأنه أراد أن يستفيد من إجازته والحراك السياحي لمدينة نزوى، فذهب إلى قلعة نزوى وحينما دخل أخبر موظفة الاستقبال برغبته الشديدة لملاقاة المسؤول عن المكان، وبالفعل التقى بمسؤول الشركة الأهلية وأخبره برغبته الشديدة في الحصول على مكان له ولابن خالته سويا ليستطيعوا بيع منتجاتهم للزائرين، والمدهش بأن المعنيين بالشركة رحبوا به كثيرا ووعدوه خيرا بعدما أعطاهم رقم هاتف للتواصل إن تمت الموافقة، وما هي إلا أيام معدودة حتى تم التواصل معه وإيجاد مكان مناسب داخل القلعة ليستطيع ممارسة التجارة هناك.

وكم هو رائع هذا الطفل يقول لي بكل فرح بدأت بمبلغ 3 ريالات والآن أنا أملك 50 ريالا، استطعت أن أجد نفسي تاجرا متمكنا بسبب العروض التي أقدمها للزوار، ولنذهب سويا للمنتجات فهو يبيع مشروبات باردة وكعكا لذيذا معدا في مطبخ منزلهم، بالإضافة إلى الذرة المتفجرة من ذلك المقلى وهم يطبخونها أمامك بكل براءة. كان سالم ورفيقه في قمة سعادتهما، هؤلاء من أصبحوا أعمق من أي وقت مضى في حواراتهم، كونهم يتعاملون بشكل دائم مع مختلف الزائرين، لقد رفضوا الاستسلام للآيباد الذي يلتهم وقتهم في ألعاب غريبة عجيبة بزماننا هذا، فأصبحوا معتمدين تماما على كرامتهم وأنفسهم وعونا لتنمية شخصياتهم وليسوا عالة على عائلاتهم في مصاريفهم وبالأخص وقت الإجازات ما بعد المدرسة.

فهل تعتقد عزيزي القارئ أن قلب طفل كهذا سينخره اليأس أو التذمر؟!

هؤلاء الأبطال وبدعم والديهم المقدر مات في داخلهم التذمر وأصبح الأمل ينبت في أرواحهم كشجرة عملاقة أصلها ثابت.

تجربة نزوى تجربة فريدة من نوعها، وتستحق تسليط الضوء عليها دوما لتنتشر في جميع الولايات، فنزوى تخبر الجميع أن ليس كل من مارس البيع ولو بشيء بسيط في بسطة ممر هو معدم وفقير، بل العكس مقتدرون ولكنهم يعلمون أطفالهم في وقت فراغهم الاعتماد على النفس بزيادة الخير والاجتهاد والعمل، ففي الحركة بركة للروح والذهن والرزق وحسن التعامل مع الجميع.

فهل علمتم الآن بمثال الطفل سالم لماذا يموت التذمر في نزوى؟!