دراسة: ارتفاع معدل الاضطرابات النفسية بين العُمانيين المصابين بفرط الحركة
كشفت دراسة طبية حديثة نشرتها مجلة عمان الطبية دراسة استباقية بعنوان "السمات السريرية ومقارنة نتائج العلاج باستخدام أتوموكسيتين وميثيلفينيديت لدى البالغين العُمانيين المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه"، عن ارتفاع معدل الاضطرابات النفسية المصاحبة بين البالغين العُمانيين المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مؤكدة أهمية تبنّي نهج علاجي شامل يراعي معالجة الاضطرابات النفسية المصاحبة والتعامل معها، خاصة القلق والمزاج التي قد تؤثر على العرض السريري، والاستجابة للعلاج، والخطة العلاجية الشاملة.
و أوضحت الدراسة أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو حالة نمائية عصبية شائعة قد تستمر حتى مرحلة البلوغ، مما يدحض التصور التقليدي بأنه اضطراب يقتصر على مرحلة الطفولة فقط. ويُظهر اضطراب فرط الحركة، وتشتت الانتباه لدى البالغين تحديات سريرية فريدة بسبب تنوع مظاهره السريرية، ووجود اضطرابات نفسية مصاحبة، وتأثيره على الأداء اليومي والوظيفي.
وأشارت الدراسة إلى أن العلاجات الدوائية عادة تتضمن استخدام منبهات الجهاز العصبي المركزي مثل الميثيلفينيديت والأمفيتامينات، أو باستخدام الأدوية غير المنبهة مثل مثبطات إعادة امتصاص النورإبينفرين الانتقائية، ومنها الأتوموكسيتين. وتختلف الاستجابة لهذه الأدوية بشكل كبير بين الأفراد، مما يزيد من تعقيد عملية اختيار العلاج ومتابعة فعاليته وتحمله. كما أظهرت الدراسة أن المرضى الذين لا يملكون تاريخا عائليا للإصابة بالاضطراب سجلوا معدلات استجابة أفضل لكل من الميثيلفينيديت والأتوموكسيتين، وقد يشير إلى احتمال وجود دور للعوامل الوراثية في تحديد شدة الاضطراب وفعالية العلاج، ويفتح المجال أمام استخدام التاريخ العائلي كمؤشر تنبوئي محتمل يساعد في توجيه القرارات العلاجية مستقبلا.
كما أكدت الدراسة أن الفهم الدقيق للخصائص الدوائية الحركية والديناميكية لهذه الأدوية لا يزال محدودا في المجموعات العرقية والثقافية غير الغربية. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إجراء دراسات رصدية تستقصي نتائج العلاج والعوامل المتنبئة بالاستجابة لدى البالغين المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، عند استخدام أتوموكسيتين وميثيلفينيديت في دول مثل سلطنة عُمان، بما يمهّد لتطوير تدخلات علاجية مستقبلية تراعي العوامل الجينية والإبيجينية.
وتناولت الدراسة التي أعدها كل من الدكتورة أميمة الكيومي، والدكتورة تماضر المحروقي، والدكتور سالم الحسيني، وساثيا بانشاتشارام، والدكتورة أميرة الحوسني، والأستاذ الدكتور سمير العدوي، والدكتور حسن ميرزا، الفجوات المعرفية المرتبطة بالمظاهر السريرية، ونتائج العلاج، والعوامل المتنبئة بالاستجابة لدى البالغين العُمانيين المشخّصين حديثا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ممن تلقّوا العلاج باستخدام أتوموكسيتين أو ميثيلفينيديت، وذلك من خلال المتابعة والملاحظة السريرية. وشملت الدراسة البالغين العُمانيين بعمر 18 عاما فأكثر الذين شُخّصوا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وكانوا يتلقون العلاج في عيادة الطب النفسي بمستشفى جامعة السلطان قابوس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
واعتمدت الدراسة على بروتوكول الملاحظة السريرية؛ حيث يُعد ميثيلفينيديت العلاج الأولي المعتاد لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين. ومع ذلك، يُستخدم أتوموكسيتين كخيار علاجي أولي في نسبة محدودة من الحالات، لا سيما لدى المرضى الذين لا يستجيبون لميثيلفينيديت، أو الذين يعانون من قلق مصاحب شديد، أو ممن لديهم تاريخ من اضطرابات تعاطي المواد غير الموصوفة طبيا. وقبل بدء العلاج الدوائي، جُمعت البيانات المتعلقة بالخصائص الاجتماعية والديموغرافية والتاريخ السريري للمرضى، ثم قُيّمت الاستجابة للعلاج بعد ثلاثة أشهر من بدء العلاج باستخدام مقياس الانطباعات السريرية العامة.
وشملت الدراسة 171 مريضا، منهم 60.8% من الذكور، وقد تلقى 80.7% من المشاركين علاج ميثيلفينيديت، بينما تلقى 19.3% علاج أتوموكسيتين، وكان نمط تشتت الانتباه هو النمط الأكثر شيوعا من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إذ مثّل 66.1% من الحالات، يليه النمط المختلط بنسبة 24.0%.
كما تبيّن أن 72.5% من المرضى كان لديهم اضطراب مصاحب واحد على الأقل، ولا سيما اضطرابات القلق واضطرابات المزاج.
وسجلت الدراسة معدل تحسن بلغ 83.6% بعد ثلاثة أشهر من العلاج، مع تحقيق مجموعة الميثيلفينيديت معدل استجابة أعلى مقارنة بمجموعة الأتوموكسيتين، إلا أن الفارق بين العلاجين لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية.
وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة تسهم في إجراء المزيد من الدراسات التي تراعي الجوانب الجينية والبيئية والثقافية لدعم التدخلات العلاجية الأكثر دقة وفعالية في المستقبل؛ حيث أشارت النتائج إلى ارتفاع معدل الاضطرابات النفسية المصاحبة بين المرضى، مما يبرز أهمية تبنّي نهج علاجي شامل لا يقتصر على معالجة أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه فحسب، بل يمتد أيضا إلى تقييم الاضطرابات النفسية المصاحبة والتعامل معها، ولا سيما اضطرابات القلق والمزاج. ويعكس ذلك أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين كثير ما يكون مصحوبًا باضطرابات نفسية أخرى، الأمر الذي قد يؤثر في العرض السريري، والاستجابة للعلاج، والخطة العلاجية الشاملة.
كما بينت الدراسة ارتباط عدم وجود تاريخ عائلي للاضطراب بتحسن مستوى الاستجابة لكل من ميثيلفينيديت وأتوموكسيتين. ما يشير إلى الدور المعقّد للعوامل الوراثية في شدة الاضطراب وتفاوت الاستجابة العلاجية، ويفتح المجال أمام اعتبار التاريخ العائلي مؤشر محتمل يساعد في توجيه القرارات العلاجية المستقبلية.
