facebook twitter instagram youtube whatsapp
45454
45454
ثقافة

افتتاحية الشيخ سالم بن محمد بن سالم الرواحي لكتاب «الدعائم» لابن النظر

20 يوليو 2021
كتابات عُمانية مُبكرة «33»

- الافتتاحية تعدُّ كتابة عُمانية مبكرة لعراقتها الزمنية وسبقها المعرفي في مبحث مدونة المقدمات والمفتتحات

- تتضمن قراءة أفقية لمضامين منظومة «الدعائم» وبحث مُركّز في شخصية ناظمها

- الدعائم أنموذجٌ معرفيٌّ منظومٌ تاقت إليها ثقافة المجتمع وأفئدة أقطابه بشغف منقطع النظير

فحسبُكَ مَنْ تُثني عليه دفاتِرهْ وتفقدُهُ أقلامَه ومحابرُهْ

فكمْ لبني الأيامِ والدَّهر ألسُنٌ أوائلهُ تُثني له وأواخرُهْ

(ابن النظر)

بداية يمكنني القول: إن هذه الحلقة المعرفية واحدة من مكونات ثقافتي التأسيسية، فهي عصارة تحفيز مبكر، وتشجيع مثمّن، ودعم مؤزَّر بقي في الذاكرة سنين لقراءة هذا الديوان الشعري المهم، وقد دفعتني إليها رسالةٌ خطية من أستاذي أحمد الفلاحي أرسلها إليَّ إبان كان مقيمًا في القاهرة، وفيها يوصني بالقراءة المستمرة ومنها هذا الكتاب.

وقد دفع هذا التوجه النبيل السامي ما وقع في يدي من نسخة قديمة مغرية لهذا الديوان وجدتها في ثنايا مكتبة أحد أقاربي بولاية (ازكي) موقّعة باسم والدنا الشيخ الكاتب نصرالله بن عبدالله بن سعيد الرقيشي (رحمه الله)، ومؤرخة بتاريخ 2 ذي الحجة الحرام 1397هـ، فكانت هذه المحفّزات جميعها مدعاةً لرد الأمانة إليهما شكرًا وعرفانًا ودُعاءً وإثباتًا لدورهما في دفعي لهذه الكتابة والقراءة المبكرة لمنظومة ابن النظر الشهيرة.

ولقد حوى ديوان «الدعائم» في أوراقه الأولى افتتاحية تاريخية للشيخ الوجيه سالم بن محمد بن سالم بن سيف الرواحي تاريخها 18 ربيع الأول من عام 1311 هجرية، وتعدُّ من أوائل الكتابات العثمانية المبكرة، فقد صَدَّر بها كتاب «الدعائم» الصادر عن المطبعة العُمومية بدمشق عام 1966 بجهود قام بها الشيخ المُحسن الكريم سليمان بن سعيد السيابي/ إذ قام بتجديد هذا الديوان الشعري الفقهي البليغ على نفقته الخاصة مبديًا رغبته في العلم وحبّه في الدين ومفضيًا بحسن نوايا لمعرفة المذهب وأصوله، كما يقول، وأخيرًا مستشرفًا الأجر والثواب.

وقد تضمَّنت هذه الافتتاحية -التي يسمِّيها كاتبها الشيخ سالم الرواحي ترجمة- فقرات يقسّمها بشكل متوالٍ ويوشيها بمصطلح «فصولا» وقد ابتدأها بترجمة مستلة من كتاب «خزانة الأخيار» مما يشيُ بأن الكاتب يريد أن يُدْخِلَ القارئَ منذ البداية إلى عوالم ديوان «الدعائم» من أبواب منفتحة على فضاء كتب الفقه والعقيدة وليس على فضاءات الشعر الرحبة، ونحن إذ نقر ذلك لنؤكد أنه ابتدأ من مبحث قار عويص من مباحث العلوم الإسلامية لأن المساحة التي يتحرك فيها الشاعر عادة ما تكون منفتحة وواسعة مقارنة بمثيلتها التي يتحرك فيها الفقيه، ولعله أراد من ذلك التأصيل والسير على ما اعتاد عليه الذوق الثقافي العام في تلك المرحلة، وربما تلك سنة منهجية جرت عليها الكتابات القديمة ولم يكن بدعًا فيها.

ومن المُعجب في هذه الافتتاحية الضافية سردها لقصصٍ ومحطاتٍ مهمة من حياة ابن النظر وديوانه لولاه لغابت وتلاشت: منها أنه نظم ديوان «الدعائم» وهو في أواخر عمره رغم أن اسمه الشعري شاع في الآفاق العُمانية وعمره لا يتجاوز الرابعة عشرة، وأن تاريخ قتله من قبل خردلة وهو ابن خمسة وثلاثين سنة، وذلك في القرن الخامس الهجري، وأن ديوانه هذا جُمع بعدما كان مقطّع الأوصال بهمة الباحث الأديب محمد بن وصاف النزوي وكان مجتهدًا في البحث عن الأدب وأمثاله، وهو الذي سماّه كتاب «الدعائم».

وأنه تعلم على يد الشيخ العلامة مبارك بن سليمان بن دُهَلْ أحد علماء عصره المعروفين، وحفظ عليه أشعار العرب وقصائدهم، وأنه عاصر علماء مرموقين كانت لهم الحظوة في الفقه والفتوى والأدب منهم الشيخ فاضل بن عبدالله القلهاتي، والشيخ أبي عمر النخلي، وكان يختلف إليهما ويستفيد من علمهما.

كما تشير الافتتاحية إلى ملابسات حرق مكتبة ابن النظر وضياع مؤلفاته وخزائنه، وأن أغلب إنتاجه ومكتبته قد أحرقت في قصة دراماتيكية غير مستبعدة الحدوث في ذلك الزمن الغرائبي البائد الذي كثرت في الأحداث جراء تسلط ذوي الجاه والسلطان والنفوذ وسادت فيه القبلية البغيضة والتعنت الجاهلي مخلفة دمارًا اجتماعيًّا لا يخفى أواره، وكان العلماء إحدى ضحاياها شأن ابن النظر هذا الذي أوردت الافتتاحية قصة قتله المحزن على يد القائد (الجائر) خردلة بن سماعة بن محسن أحد رجال سلاطين النباهنة، إذ لم يكتف بقتله بل أمر أن تدخل داره، ويؤخذ ما فيها نهبًا، فأخذت كتبه كلها من مصنفات ومسودات فأحرقت، وكان له جملة منها من مثل: كتاب «سلك الجمان في سير أهل عُمان» (مجلدان)، وكتاب «الوصيد في ذم التقليد» (مجلدان)، وكتاب «مرآة البصر في مجمع مختلف الأثر» (أربعة مجلدات).

وفي إطار ترجمته يورد كاتب الافتتاحية الشيخ سالم بن محمد الرواحي نبذة عن أبيه سليمان بن عبدالله العالم الكبير الذي ينتمي سكنًا إلى موضع «الجابية الفوقية شرقي الجامع»، وهو مكان أثير معروف في سمائل الفيحاء التي نسب إليها.

كما يترجم لجده الشيخ عبدالله بن أحمد بن الخضر قاضي قضاة «دما» السيب «الحالية» وصاحب كتاب «الإنابة في الصكوك والكتابة» في أربعة مجلدات، وكتاب «الرقاع في أحكام الرضاع» في مجلدين.

ويتطرق كاتب الافتتاحية إلى صفات ابن النظر ومناقبه التي عرف بها طيلة حياته القصيرة، فيقول: «كان أحمد من أجود الناس حفظًا، وأكثرهم فهمًا وذكاء» ويورد في ذلك قصصًا عجائبية لشدة حفظه تحتاج إلى تمحيص وتحاليل نفسية منها أنه كان يحفظ نومته في المهد وما كانت أمه تعلق له فيه وهو ابن عشرين يومًا.

كما يورد عنه «أنه كان عالمًا بأشعار العرب وسيرهم وتواريخهم ومحاوراتهم، ناهيك عن علمه المطلق بعلوم اللغة وقد أخذها بحوافيرها» أي بتخصصاتها المعروفة نحوًا وصرفًا وبلاغة، وكان ينظم الشعر في ليلته، وله قصائد كثيرة لا تحصى تكفي لديوان كبير وقد مزقها من طرفه قبل إحراق مكتبته، ولعلها كانت في غرض الغزل الذي يتعفف عنه إبقائه أسفًا العلماء الفقهاء خيفة وزهدًا، ومنه قوله مفتتحًا قصيدة في «الحيض والاستحاضة» (الديوان، ص138) على سنن الأقدمين يحضر فيها الشعر الجاهلي والعباسي بتلابيبه الغزلة المراد منها التشويق والإثارة وسيرا على بنى القصيد وذوق الجمهور:

صِلِي الحبلَ يا سَلمى وإن شئت فاصرمي

فما أنا بالقالي ولا بالمتيَّمِ

رمتني بناتُ الدَّهرِ عن قوسِ حادثٍ

حَنَتْها يدُ الأيام منها بأسهمِ

وقد طالَ ما بَانتْ سُليمى ضجيعتي

وباتَ وسادي تَنْي كفٍ ومعصمِ

كأنَّ سنا برقِ الغَمَامةِ كشرها

إذا ابتسمتْ في عَارضٍ مُتبسمِ

كأنَّ حصى الياقوتِ بين ضروسِها

تلألأ إشراقًا بسلك ٍمنظمِ

كأنَّ أصحابَ الحلي فوق تريبها

ترنُّم أفراخِ القطا المترنمِ

كأنَّ ركيماً عجزها وجبينُها

هلالُ تمامٍ فوق غصنٍ مُقوّم.

ومما يذكره كاتب الافتتاحية أيضًا بأن ما تبقى من شعره هو في «الشريعة» فقد صرف قريضه نحوها وانصب فيها وسبق السلف، وكَبَتْ دونه جياد الخلف، وتفرّقت قصائده في البلدان وذهب أكثرها منها في الولاية والبراءة، ومنها في الصلاة والأحكام، وله قصيدة في الضاد والظاء ناهزت مائة ألف بيت وقد أحرقت مع سائر قصائد ديوانه.

ومن المعجب في هذه الافتتاحية الضافية كذلك اعتماد كاتبها الشيخ سالم بن محمد الرواحي على مصادر استقى منها حياة وأخبار ابن النظر وساقها في افتتاحيته مبوبة في فصول منها ما نقله عن كتاب «مصباح الأحاديث» للشيخ جابر بن عبدالله الأزكاني، وكتاب «بهجة الأبصار» وكتاب «خزانة الأخيار»، ومن كتاب «الأنساب» للعوتبي.

ويضافُ إلى ذلك الإعجاب ما قدَّمته الافتتاحية من أساليب وصفية للشكل المادي لهذا الديوان، فالشيخ الرواحي يورد ما قيل في شعر ابن النظر من شهادات وتزكيات دالة على قيمته واعتباريته في الذهنية الفقهية والتاريخية العمانية، فهو يستطلع بما قاله الشيخ يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي عنه: «الفصيح النبيه، الناظم الوجيه، صاحب الدعائم.. الذي نظم الشعر فأجاد، وأخذ بعنانه فتصرف فيه على ما أراد، فلا يشق له غبار.. ولا يلقى له فيه عثار، فنظم الشريعة الشريفة في سلك المعاني والبيان، وصبَّ معانيها في قوالب البلاغة والتبيان، فأنشدت الأعيان في شعره النوادي، وغرّدت به الحُداة في البوادي في عمان وغيرها من البلدان..» الكتاب، ص 3.

ثم يعقبُ على شهادته بالقول «لله درك من ناظم ما أفصحه، ومن كلام ما أبينه وأوضحه» ولعل في تعقيبه ذلك شيء من الاحتفاء والرضا فشعر الديوان واضح بليغ يصل المعنى بالمعنى والفكرة بالفكرة بلا تكلف ولا تصنّع، وتأتي أفكاره سهلة طيعّة المعنى محكمة المبنى، وما ذلك إلا دليل موهبة وعنوان براعة، لهذا شاعر ذكره وقراته بين العامة والخاصة كلهم ينهلون من فيضه، فيترك فيهم أثر التبليغ والتشريع والإيضاح عن فكر مذهبي إباضي بحت.

ويكتسبُ ديوان «الدعائم» قيمةً معرفيةً روحية في الثقافة العُمانية التقليدية كونه من الكتب العُمَد الأصُول في العقيدة الإباضية، وهو مرجعٌ بل مصدرٌ لا غنى عنه لدارس الفقه والعقيدة، وفيه إيضاح لأحكام المذهب وركائزه ومكوناته وطرائق أداء الفرائض والعبادات، ونفي ما لمَّ به وتبعه من تُهَم وقضايا، وقد نظمها شعرًا في قصائد غرر حملت موهبة شعرية فذة، يبدأها بافتتاحيات في الغزل أو الوصف أو الحكم والمواعظ وتتجلى فيها روح المبدع شعرًا مجيدًا، وينتهي فيها فقيهًا حاقًا، وبينهما نحوي حاذق، يجيد نظم الكلم يعضد ُذلك ثقافة عقدية واسعة عميقة لا يتأتى لها إلا من أوتي بسطة في الفقه واللغة والعلم اللدُّني الباذخ، وقد جاء - كما يقول الشيخ الرواحي في افتتاحيته ص (5) «في وقت كانت عُمان معدومة الكتب اللغة إلا كتاب العين وكتاب البحر الزاخر».

أمَّا مؤلفه العلامة ابن النظر -كما تقول مقدمة الكتاب- فهو آية في الحفظ، وغاية حفظه من شعر العرب أربعين ألف بيت ما كان من الثلاثة إلى الواحد (يعني المقطَّعات) أمَّا القصائد الكبار فلا تحصى، وكان ينظم القصيد في ليلته، وله ديوان شعر ما تبقى منه مزقه لكونه يتخذ الغزل موضوعًا.

ويكتسبُ الكتاب قيمته من قيمة ناظمة العلامة الناظم الفقيه الشيخ «ابن النظر» أحمد بن سليمان بن عبدالله بن أحمد بن الخضر العالم الكبير الذي هو من بني النظر السموئلي.

وقد قسَّم الكاتبُ افتتاحيته التي ظهرت في الصفحة الثالثة وحتى التاسعة موشَّاة بعنوان تبجيلي تتكرر فيه لازمة تعبيرية اعتادت عليها كتب المرحلة حيث قال «كتاب الدعائم تأليف الإمام العلامة وحيد دهره، وفريد عصره الشيخ أبو بكر أحمد بن النظر أحمد بن النظر السمائلي، قدَّس الله روحه ونوَّر الله ضريحه ونفعنا ببركاته آمين» (ص الغلاف).

وقد حوت الافتتاحية ذكر مناظيم وقصائد ابن النظر في التوحيد والعبادة وما يتعلق به من أصول الدين وهي قرابة ثلاثين منظومة، نذكر منها: منظومة في التوحيد ونفي الأشياء والأمثال عن الله تعالى، ومنظومة في الحجة في معرفة الخالق من المخلوق، ومنظومة في الزكاة ووجوبها والغنائم والجزية، ومنظومة في الحج والمناسك وما يتعلق بذلك، ومنظومة في كفارة الإيمان، وما يجب فيها من الحنث وما لا يجب، ومنظومة في النذور والاعتكاف، ومنظومات أخرى في الفرائض والنكاح والعتق والطلاق والخلع والحيض وعقد الخيار، والربا والبيوع والتجارة والذبائح والدماء والصيد وغيرها.

ولا يخلو ديوان ابن النظر من قصائد، على سنن التفرقة بينها وبين المنظومات رغم أن البون بينهما واسع، وإن قرب عند ابن النظر، ومن بين ما أورده جامع الديوان واعتبره تجوزًا قصائد لا منظومات: قصيدة في إيجاد الأفعال والرد على القدرية، وقصيدة أخرى في الوضوء والتيمم وغسل النجاسات من الجنابة، وثالثة في صلاة العيدين وغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، وصلاة الجمعة، ويستوي ذلك إذا ما عرفنا أن ابن النظر في هذه المنظومات شاعر بليغ، تفوح من ثنايا مناظيمه مطالع ومفتتحات في كافة أغراض الشعر المعروفة وأكثرها وضوحًا الغزل والحمة كما رأينا في القطعة السابقة، ورغم أن كاتب الافتتاحية لم يذكر شيئا عن أغراض شعره إلا أننا نعدّه من الشعراء الموهبين الذين اتبعوا سالف العهد في نظم الشعر ولا يخفى تأثره بما سبقه لا سيما أمرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة أو حتى من شعراء المعلقات الجاهلية الذين شكلوا الشعر بمقاييس فنية معينة، وهو بذلك لا ينفك عن سمات الشعر العماني في العهد النبهاني الذي أثبتته الدراسات الأكاديمية التي تناولته بشيء من التوسع.

ويبدو أن التفرقة لدى جامع الديوان ومفتتحة بيت النظم والشعر ضئيلة وتسير وفق معيار ذوقي، فالموضوع الذي ورد فيه مصطلح القصيدة هو ذات الموضوع الفقهي الذي وردت في «المناظيم مما يدلُّ على حالة من الاضطراب والخلط، وهما ما جعلا كاتب المقدمة وجامع الديوان الأول في تقديرنا في حالة هلامية ملتبسة لم يستطيعا فيهما التفرقة بين الشعر والنظم، وهذه في تقديرنا عثرة من عثرات هذه الافتتاحية، ولعلنا نلتمس لهما عذر الكتابة الأولى الرائدة.

بيد أن التفرقة بينهما في ديوان ابن النظر طفيفًا، فبغض النظر عن موضوعات القصائد والمنظومات الفقهية البحتة إلا أن مقدمات القصائد تشي بشاعر يملك نظم الكلم، وفي بعض منها شذرات ومفتتحات تطالُ أغراض الشعر العربي الوجداني ولا سيما الغزل والوصف والحكم وبعض من أغراض العلاقات الإنسانية والمواقف الفكرية، ونذكر من ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر

على أن ديوان «الدعائم» الذي حوى غرر القصائد والمنظومات ديوانٌ في التشريع الإباضي المحض لا ينفك محتواه عن التأصيل المذهبي الإباضي المحض وإن كان لا يخفي ردوده على المذاهب والملل والنحل الإسلامية التي تخالف مذهبه، ولم يفت مقدمة الشيخ الرواحي من الانتباه إلى ذلك، فقد وفق الكاتب في ذكرها وأوجد لها صيغًا بحس عقدي يقع في صميم شخصية العلَّامة الفقيه ابن النظر وفكره.

وينتهي الشيخ الرواحي الافتتاحية بذكر شراَّح هذا الديوان بشيءٍ من النقد والمقاربة، فيقول «شرح هذا الديوان العلامة محمد بن وصَّاف وهو الذي اعتنى بجمع قصائده الموجودة»، وشرحه الشيخ العلامة الرقيشي في مجلدين: «احتوى على شرح ابن وصاف وزاد عليه، وشرح بعض قصائده عالم مغربي من أصحابنا ولم يكمله، وهو أبسط من الشرحين، وفد شرح القصيدة اللامية التي في الحج للعالم منصور بن محمد بن ناصر، وهو ابن ابن أخي الشيخ الكبير أبي نبهان، وكلهم لم يتعرضوا لألفاظه، ونتائجه المعنوية» ص 3.

ويستطرد الشيخ الرواحي في افتتاحيته المبكرة، فيقول فلم يبينوا -قاصدا الشرَّاح السابقين- لطيف إشاراته، ولا أوضحوا مكنون نكاته، ولا كشفوا عن هاتيك المعاني من مدخراته، بل كان قصارهم التكلم على ما ظهر من الإعراب والمعاني.

ويلتمسُ لهم عذر القصور والهنات التي رآها فيقول: «ولعل ذلك لا من قصور، ولا ركاكة فهم، ولا نضوب رؤية ومادة عن الإتيان بهاتيك المعاني النادرة، فعسى أن يكونوا طلبوا من ذلك الإيجاز والاختصار، وما أحبوا الإسهاب والإكثار..».

ويرجحُ بين تلك الشروح ويقارن بينها فيميل إلى شرح الشيخ منصور رغم ما لم به من هنات، فيقول ص 4: "غير أن الشيخ منصور أبدى أنموذجًا من تلك المعاني البديعية، والألفاظ اللغوية، فجاء شرحه لمعاني كلام الناظم أجلى، وأرشق في النفوس مذاقاً وأحلى».

إن هذه الالتفاتات النقدية التي أولاها الشيخ الرواحي افتتاحيته تدلُّ على رؤية تقويمية لأعمال جليلة قدر لها أن تكون ذات يوم لسان قراء هذا الديوان البليغ، ويكفيه أنه قدم طبعة نحسبها واضحة سلسلة مرتبة تؤدي بالغرض وتثبت الغاية والمراد الذي ابتغاهما مؤلف هذا الديوان، وما هي لعمري إلا كتابات أولى في سجل ثقافتنا العمانية المعاصرة.

أعمدة
No Image
موسوعة الأثر البعيد
محمود الرحبي - من يقرأ "موسوعة عمان في التراث العربي" التي تكفل بجمعها الدكتور هلال الحجري في ثلاث مجلدات، يقف على حضور متنوع لعمان في المدونة العربية القديمة، حضور يشمل الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافيا والرحلات، إلى جانب التفسير واللغة والفقه والطب. يكفي مثلا أن نستحضر "أبا الحسن العماني" هو البطل...