من أجل تعليم جديد يولد من رحم الأزمة

20 فبراير 2022
20 فبراير 2022

يؤكد الاختصاصيون من علماء ومسؤولين ومؤسسات دولية أن التأثير السلبي لجائحة كوفيد 19 على عملية التعلم لا يستثني أحدا، وبالنسبة لبعض الفئات فإن الأثر يمكن وصفه بـ "المدمر" وأن بصماته البشعة سوف تلازمهم لبقية العمر. وأقرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونسيف" بأن الجائحة تعد أكبر أزمة تواجهها البشرية - خاصة فئة الأطفال واليافعين- منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. حيث تسببت الجائحة في تهديد الكثير من المكاسب التي أحرزها الإنسان خلال العقود الأخيرة في صراعه من غوائل العوز والجهل والمرض وسوء توزيع الدخل والاختلالات النفسية وغيرها.

وتشير الكثير من الدراسات والتقارير المنشورة في العديد من دول العالم إلى أن مستوى التحصيل التعليمي لدى الطلاب قد تأثر سلبا بالإغلاقات التي اضطرت الحكومات لفرضها من أجل الحد من انتشار الوباء. وكان اللجوء إلى أساليب التعليم عن بعد ضمن محاولة تجاوز المأزق وتقديم نوع من التعليم -الذي قد لا يكون هو الأفضل - ولكنه المتاح وفق الظروف.

ويشير تقرير لمنظمة" اليونسيف" صدر في نهاية العام الماضي إلى أنه في الكثير من الدول خاصة النامية منها ظلت المدارس مغلقة منذ مطلع عام 2020 إلى نهاية شهر أكتوبر الماضي. وأن القدرة على إيجاد تعويض نسبي لذلك من خلال الاستفادة من خدمات التعليم عن بعد ظلت شبه محصورة على الأسر المقتدرة ماليا في مختلف المجتمعات. حيث إن عوائق عدة حدت - فيما يبدو- من القدرة على تقديم تعليم يضاهي الذي يتم الحصول عليه في الفصول الدراسية. ومن الأمثلة على تلك العوائق: عدم توفر الأجهزة اللوحية بشكل واسع وهشاشة البنية الأساسية للإنترنت والنقص العام في المعرفة في التواصل الفعال عبر الشبكة من قبل الطاقم التعليمي والأسر والطلاب. وتؤكد ملاحظات التربويين أن هناك تراجعا عاما واضحا في القدرة على التعلَم لدى الطلاب. حيث إنه بجانب المعاناة من ضعف التركيز وتشتت الانتباه وما شابهها من أعراض زادت المعاناة منها خلال الجائحة، فإن التراجع المذكور قد يعزى إلى محدودية الحصيلة التعليمية خاصة في المواد ذات النسق التراكمي في البناء المعرفي مثل اللغات والرياضيات والعلوم.

وكان البنك الدولي – بالتعاون مع معهد اليونسكو للإحصاء- قد أطلق في عام 2019م مؤشر فقر التعليم، وذلك وفق معيار مبسط يتمثل في مدى إجادة الطلاب في سن العاشرة للقراءة والتمكن من استيعاب نص قصير. ويرى البنك أن من شأن الإخفاق في ذلك أن يقود إلى ضعف مهارات ومعارف الداخلين لسوق العمل في سن الثامنة عشرة سواء واصلوا الانتظام في المدارس أو تسربوا منها. الأمر الذي يزيد من عجز رأس المال البشري المتمثل في ضعف الإنتاجية والقدرة على توظيف التقدم التقني وغير ذلك من تبعات توهن عضد الأمم وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر. وقد أكدت التقارير الحديثة للبنك أن الجائحة قد عمقت جراح التعليم، المعتل أصلا من قبل وصولها.

وحسب دراس أجرتها شركة ماكينزي الاستشارية عن كوفيد-19 والتعليم ونشرت نتائجها في ديسمبر2021م، فإن التأثير على التعليم المدرسي كان ملحوظا بقوة. حيث خسر الكثير من الطلاب ما مقداره عام دراسي كامل. مع حدوث تأثر سلبي أكبر في القدرة على القراءة ومهارات الرياضيات. ويتوقع الخبراء أن الطلاب الذين تأخرت قدرتهم على تعلم مهارات القراءة في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، فإن ذلك سوف يحد من قدرتهم على الاستيعاب والتفوق في المراحل الدراسية التالية. كما أن أولئك الطلاب في المراحل الدراسية المتوسطة الذين لم يتمكنوا من الإلمام بمهارات الرياضيات فإن ذلك قد يكون عائقا أمام إنهائهم التعليم الثانوي. وعلى مستوى المدارس يعاني المعلمون في الفصول من التباين الحاد بين مستويات الطلاب وقدرتهم على التحصيل. كما أدت أوضاع الجائحة إلى ارتفاع معدل التسرب من التعليم خاصة لأبناء الأسر ذات الدخل المحدود.

وقد قامت الحكومات في الدول التي تمتاز بنظمها التعليمية المشهود لها ( مثل فنلندا ونيوزيلاندا وسنغافورة وتايوان) بإجراءات عدة للتعويض عن التبعات التي تسببت بها إجراءات التعامل مع الوباء. هذه الدول تحقق أعلى الدرجات في الاختبارات العالمية المعروفة مثل بيسا وتيمز. فكيف تفعل الدول التي كانت في ذيل القائمة؟

ليس هناك الكثير للتطرق إليه حتى اليوم ضمن مبادرات الدول المذكورة. إلا أن العديد من الحكومات في الدول ذات النظم التعليمية الجيدة نسبيا قد قامت بتخصيص مبالغ سخية لضمان تعويض الفاقد من التعليم. فقد أقدمت الحكومة الأمريكية على سبيل المثال على تخصيص مبلغ قدره 200 مليار دولار للإنفاق على تجاوز آثار الجائحة على التعليم المدرسي. وتم تبني تقييم شامل لقدرات الطلاب وأدائهم، مع التركيز على إيجاد طرق للـوصول للطلاب الذين تأثروا بشكل أكبر من أجل إقرار خطط تفصيلية وفق أهداف محددة وبمؤشرات زمنية مرنة لضمان وصول الطلاب إلى أداء أفضل في أسرع وقت ممكن. وتم تبني برامج دراسية صيفية. كما تم اعتماد برامج لتمديد فترات الدراسة لتمتد لساعات أطول في الفترة القادمة. وتم إقرار برامج تقوية موجهة لمجموعات مصغرة من الطلاب مدفوعة التكاليف من قبل الدولة.

وقد أوصى تقرير منظمة اليونسيف المشار إليه إلى ضرورة العمل الجاد من أجل ضمن عدم ضياع عقد تنموي بأكمله. وعليه فقد أكدت المنظمة على أن الحكومات عليها أن تعمل من أجل ضمان أن يستحوذ الإنفاق الإجتماعي (أي مخصصات الموازنة العامة للدولة للصرف على تقديم الخدمات التعليمية والرعاية الصحية وغيرها من الحدمات المقدمة للمجتمع) على رأس أوجه الإنفاق العام وأن يتم تجنب تعريضه لاقتطاع المخصصات تحت وطأة أوضاع مالية واقتصادية طارئة. وكذلك التأكيد على ضرورة السعي إلى توسيع مخصصات الإنفاق على تنمية الموارد البشرية بشكل تدريجي ومتواصل.

عند الحديث عن التعليم، لا نتحدث عن درجات وشهادات ولا حتى نتائج امتحانات دولية. نتحدث عن مجتمع آمن ومستقر، عن قوى بشرية مؤهلة ومبدعة، عن قطاع حكومي كفؤ، عن اقتصاد ذو قاعدة إنتاجية متنوعة قائم على الابتكار وقادر على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، عن فرص عمل مجزية للمواطنين، عن قطاع خاص تنافسي، عن قدرة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المجدية، وعن مجتمع مدني حي وغير ذلك من ركائز الأمم الناهضة. كل هذه الأبعاد والقدرة على تحقيق نجاح فيها يعتمد بشدة على إجراءاتنا الفعلية، وليس الإعلامية، من أجل تجاوز آثار جائحة كورونا على منظومة التعليم في البلاد.

التعليم شأن حيوي ومفصلي في حياة كل أمة. لذا لا ينبغي أن يترك شأنه للعاملين في الجهة التنفيذية بل ينبغي أن يتعامل معه كقضية مصيرية تحظى بأولوية في أعمال وبرامج كل مؤسسة تعمل في الشأن السياسي والتنموي والإداري وغيره. ونظرا لخطورة وتشعب تأثير جودة التعليم أو فقره على مسيرة النهضة في البلاد، فإن تشخيص العلل وتحديد العلاجات الملائمة ينبغي أن تكون له مرجعيات وأطر مؤثرة. الأمر الذي من شأنه يضمن تذليل كافة العقبات وتسريع وتيرة التقدم نحو حصاد تنموي وفير.