facebook twitter instagram youtube whatsapp


Author

محمود درويش.. تهمتنا الأخيرة

14 مايو 2022

منذ أن غيبه الموت جسديا عن حياتنا العربية قبل ما يقارب العقد ونصف العقد، ومحمود درويش، شاعر العربية الفلسطيني، يحجز مكانه الحي في اللغة الحية وذاكرتها، مقيما أبديا على «أولمب» لغته العالية بعد أن تعب من السفر، واثقا أكثر من أي وقتٍ مضى بومض عبارته الخاطف: «أنا لغتي»! نجا بموهبته الفذة من دور «الشاعر الفدائي» الذي أحرق الكثيرين من شعراء تلك المرحلة، فلسطينيين وعربا، أولئك الذين سيطلق عليهم الشاعر والناقد العراقي فوزي كريم مصطلح «شعراء الراية».

إن التاريخ والجغرافيا يتحركان باستمرار على أرض فلسطين، يغليان داخل اللغة، واللغة ترتق جرح الجغرافيا وتعيد كتابة التاريخ بحبر المهزومين. في ذلك الوقت كان أبناء الوطن المنفيين يبحثون عن الوطن المنفي في قصيدة يريدونها بطاقة عبور وجواز سفر. هنا كان على الخوف أن يتلبس الشاعر، الخوف من سلطة الوطن على الشعر، وأن تظل القصيدة مطالبة دائما بإثبات شرعيتها الوطنية في مختلف المحافل والمناسبات، الوطنية والشخصية. لكن محمود درويش، الذي اكتشف مبكرا فخاخ الهوية المرصودة له كشاعر فلسطيني قادم من الأرض المحتلة، طوَّر وعيه بالمهمة ليقول: «إن الشعر ليس بحاجة إلى براهين وطنية، كما إن الوطن ليس بحاجة إلى براهين شعرية»، خارجا من سلطة الوطن إلى سلطة الشعر، ومن كونه شاعر الوطن إلى شاعر الشعر.

في إحدى المرات كان محمود درويش يزور بيت الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، الذي تحول إلى متحف في الإسكندرية، هناك قال هذا الشاعر الفلسطيني: إن هذا الشاعر اليوناني قد قضى على الأقل على ثلاثين شاعرا عربيا. فهل كان محمود، انطلاقا من هذا القول، مدركا لموقع الأب الذي سيشغله طوليا لدى أجيال من الشعراء العرب؟

بعد رحيله بسنوات عديدة، نجد أن الموت لم يخفف من سطوته الشعرية التي كادت أن تتحول إلى سلطة على تجارب أجيال متأخرة من الشعراء الشباب، الهاربين من غلواء التراث إلى حداثة أعادت اكتشاف ذاتها وثبَّتتْ شرعية الإيقاع الجديد الصاعد من أمواج بحور الخليل بن أحمد، ملقية بظلالها على قصيدة النثر. تراثه يزدهر بقرائه الجدد ويغري بالاتباع والتقليد، لكن «الدرويشية» لا تُورَّث ولا تُدرَّس كما يبدو، حتى لو تحولت مع الوقت إلى تهمة تُلصق بمن سئموا طبول القوافي التي تقرعها القصيدة العمودية فاختاروا التفعيلة الموحدة رقصة للسطر الشعري، بعد أن صادف واكتشفوا أصواتهم الشعرية في إيقاع «القصيدة الحرة» كما سمتها نازك الملائكة رغم النزاع الدائم على دقة هذا المصطلح، كما هو النزاع على مصطلح «قصيدة النثر» لسوزان برنار. وهنا، كان ينبغي الوقوف دائما للاعتراف بأن الشاعر الراحل كان آخر محرري القصيدة الحرة من عبودية حريتها الشكلية التي توقف عندها روادها منذ بدر شاكر السياب ونازك الملائكة حتى شعراء الستينيات.

وللمفارقة، فإن تهمة «الدرويشيّ» دائما ما تستدعي لدي ذكرى لطيفة، فقد كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما أدركت لأول مرة أن اسم محمود درويش يمكن أن يتحول إلى صفة قد تُلصق باسمي- رغم تهيبي منها- كما تلتصق القبيلة بالاسم... قبيلة شعرية! حدث ذلك في لقاء إذاعي عندما دعاني الأستاذ العزيز سليمان المعمري إلى برنامجه «كتاب أعجبني» والذي كنتُ مواظبا على متابعة حلقاته. اخترت يومها أن أستعرض بصحبته كتاب الناقد المصري صلاح فضل «محمود درويش حالة شعرية»، وفي معرض الحوار عن الكتاب (لا أتذكر السياق بالضبط) التفت إلي سليمان المعمري قائلا: «... وأنت شاعرٌ درويشي إذن!» فكان ـ عن قصد أو بدونه ـ أول من يطلق عليَّ هذه الصفة/ التهمة. طبعا لم يكن مني سوى أن أذعنت لهذه العبارة بابتسامة مترددة، وربما أجبت بالموافقة، مفسرا ذلك التصريح على أنه إطراء عابر، أو مجرد توصيف محايد على أقل تقدير. لم أكن على دراية كافية بمعاناة من قبلي مع هذه الصفة التي يمكن تفسيرها تارة على أنها تصويت بالإعجاب المتنامي من الإعجاب بنموذج محمود درويش أولا، كما لا تخلو في كثير من الأحيان من لمزة اتهام بالتبعية والتقليد تجرح في موهبة أي شاعر. ولذا لم أجد عنوانا أكثر سخرية لهذا المقال من العنوان التهكمي الذي أشهره من قبل الفنان الفلسطيني ناجي العلي «محمود درويش خيبتنا الأخيرة»، الذي كان قد نحته بدوره من عبارة محمود الشعرية «بيروت خيمتنا الأخيرة».

ويقفز بعض زعماء هذا الاتهام إلى اعتبار الإيقاع الخارجي في القصيدة المعاصرة ضربا من ضروب «السلفية» الثقافية، دون أن يدركوا بأنهم يقفون في جدالهم مع هذا اللون الشعري على الرقعة الضيقة ذاتها التي ما برح متطرفو القصيدة التقليدية يحاربون قصيدة النثر داخلها، وهي الوزن، عقدة الوزن التي ما إن يطيب لنا مناخ حرية التعبير الشعري في فترة وجيزة حتى تعود أجراسها لتصلصل من جديد؛ فإذا كان شعراء قصيدة النثر قد عانوا لعقود عديدة أريقت فيها محابر كرّست لاتهامهم بالتآمر على اللغة العربية وتشويه الشعر العربي (إلى جانب تهم تتعلق بالعمالة إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، كما حدث مع يوسف الخال ورفاقه في مجلة شعر منتصف ستينيات القرن الماضي) فقط لأنهم تخلوا عن الوزن والقافية، نجد اليوم أن مائدة الاتهام دارت -بصورة فيها قدر من الازدراء- على شعراء القصيدة الموزونة، بعد أن حققت قصيدة النثر قدرا معقولا من القبول لدى الذائقة الشعبية واحتفاء كاسحا بها من قبل دور النشر والأوساط الثقافية. صحا محمود من نومه ذات يوم ليجد نفسه «شاعر تفعيلة» بعدما كان يحلم طوال حياته بأنه شاعر! هذا ما قاله في حوار تلفزيوني على قناة mbc عام ١٩٩٧، في محاولة تعبير هادئة عن سخطه من هذا المصطلح الشائهة وهذا التصنيف المجحف للشعر والشاعر وفقا لخلفيته الموسيقية. وبالرغم من أن قصيدة النثر هي أهم إنجازات الكتابة العربية خلال العقود الأخيرة، كما يقول، إلا أن محمود درويش لم يتورع عن وصف شعرائها في إحدى المناسبات الإعلامية بالميليشيا التي تختزل الحداثة الشعرية في مفهوم قصيدة النثر وتنكر حداثة ما عداها.

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...