facebook twitter instagram youtube whatsapp
Author

حكاية طفلة

08 يونيو 2021

تصف قارئة لرواية هاندكه «حكاية طفلة» في أنها محبِطة للآباء المبتدئين، أتفق تماما مع ما ذهبتْ إليه لكنني أجدها محبطة للكتاب المبتدئين أكثر. لطالما شعرتُ بأن الكتابة تنقسم إلى نوعين، واحدة إعجازية ولا يمكن تكرارها، وأخرى منافسة، وهي أكثر تحفيزا لكتابة تضاهيها في وصولها وإتقانها. لا تشعر معها بأن منبع الكلمات قادم من مكان مجهول، بل أنها مكتوبة بتصميم هو كل ما ينقصك. بيتر هاندكه في هذا العمل أقرب للنوع الأول، كتابة باردة وثقيلة وبطيئة جداً، تشعرُ أنه نحتَ كل جملة فيها، أو في أسوأ الأحوال أنه شخص بالغ بغيض لا حياة له سوى أن يجلس على طابعته عام ١٩٨٢ ليكتب رؤية عن الطفولة، لم أقرأ شيئاً يماثلها قائلاً: «أود أن أتحدث عن إنسان كما يتحدث المرء عن شعب بأكمله - ما الذي يمكن أن يتطلع إليه، وما الذي يمكنه تطويره، وما هي الإمكانيات التي يتمتع بها إنسان ما، كما لو كان شعباً بأكمله - وهو شعب بأكمله».

يعتمد هاندكه في عمله هذا على تقنية لطالما استثمرها في أعماله وهي تجنب تسمية الشخصيات، فالمرأة العسراء روايته الآسرة بالكاد نعرف اسمها قبل أن نصل للسطر الأخير، وهنا الطفلة وأبوها، يبقيهم خلال عقد كامل يتابع فيه نمو الطفلة وتفاصيل حياتها اليومية على أوصافهم : «طفلة» و«شاب» الذي كان «الفتى» قبل بعض الوقت، وكأنه من غير المهم أن يكون أحداً بعينه، مثبتاً رؤيته حول الكتابة عن شعب كامل. كم تثير غيرتي هذه الإرادة، وهذه القدرة على السيطرة على الطريقة التي خلقها هاندكه في أعماله، إنه بلا شك يعرف مشروعه وما ينبغي عليه القيام به.

انتابني عند قراءة هذا العمل شعور بأن هاندكه لا يكتب فيها طفولته، بل على العكس تماماً، ففي العادة عندما نكتب عنها، نبدو أكثر تعاطفاً مع ذواتنا القديمة، ومع ما شكلها من تجارب، طاردين عنا فكرة أننا كنا أطفالاً قابلين للكراهية، والعالم كله يدور حول حياتنا، والنقص الذي نحس به في أيامنا العادية، لكننا هنا لسنا إزاء سرد يستدعي الطفولة من حيث هي مثار للحنين، بل إن تجريد هاندكه تحسُ معه بأنه كان لا يحب نفسه منذ وقت مبكر جداً، راصداً حتى التغيير في لحن الكلمات واللهجة بسبب الرفقة وما قد تسببه من نفور للكبار، أو استخدام الكلمات الرنانة المتذاكية، أو الاختصارات التي يخترعها كل جيل وعادة ما تكون مضحكة، إن شيئاً من اللزوجة يغمرك رغم برودة الكتابة حيال عدم النضج في الطفولة، أشياء قد نتذكرها عن أنفسنا اليوم ونصرخ قائلين يا إلهي كيف فعلتُ أنا ذلك ذات يوم! وكيف لم أنتبه للصبيانية النزقة في أفعالي تلك.

ثم هنالك ورطة الأب، التي تبدأ بعد الزواج واكتشاف أن الشريك ليس هو الشخص المناسب الذي كنت تتوق للعيش معه. وأن الاختلافات بينكم لا يمكن أن يتم تجاهلها أكثر، وصولا للالتزام بعناية طفلة، سرعان ما تصبح هي جوهر معنى الحياة وكل غايتها، كما لو أنك منومٌ في تكرار أبدي، رأى قراء هذا العمل وهم قلة حسبما بحثت، بأن هاندكه لا يعرف ما الذي تعنيه الأبوة حقاً، وإن جهله هذا دفعه للتعامل مع حضور الطفلة كشيء يقع في منتصف الغرفة غالب الأحيان وهو مضطر للتعامل معه، بالنسبة لي، إنها مراجعة دقيقة لحضور الأبوة في المتن الثقافي العام، ليس لأن الأب هنا لم يكن يحب طفلته، على العكس تماماً فهو يحبها كما شعرتُ، لكنه خائف ومرتاب من عدم قدرته على التعامل معها، ومن ضرورة احتمال كل ما تفعله. هو الذي لم يعتد على هذا؟ من منا اعتاد على ذلك قبل أن يختبره . تبدو تجربة الأبوة هنا مثل مختبر جديد لا يتشكل فيه الطفل وحده، بل يعيد فيه الأب طفولته، على نحو ما كان ينبغي عليها أن تكونه، مع شعور عال بالذنب جراء هذه الرغبة.

هاندكه في كل أعماله يعتمد على النثر في احتواء رؤيته الخاصة حول ما يفكر فيه، إنها ثقة جريئة، يعرف الكُتاب أنها قد تنزلق بهم إلى مكان دبق، موسيقي أكثر مما يجب، لكن هاندكه يحكم سيطرته على الإيقاع ليصبح جزءا من ذلك الفضاء البارد الذي يحتوي فيه شخصياته وكتابته، فلنتأمل هذه الكتابة من فصول العمل الأولى :

«كانت تلك اللحظة هي الفصل الأخير في حِقبة طويلة ممتدة، فبمجرد أن أتت الطفلة البيت، بدا كما لو أنه هو نفسه قد فاء إلى حقبة شبابه الحرجة، التي لم ينجز فيها شيئاً سوى أن يكون رقيباً على أشقائه الصغار. في الأعوام الأخيرة صار ارتياد دور السينما والتجوال في الشوارع المفتوحة، كذلك الترحال الدائم، أعمالاً راتبة من أعمال يومه وليله، حتى صارت تجري منه مجرى الدم في العروق وبهذه الطريقة فقط، بحسب رأيه، سينفسح مجال رحب لأحلام يقظته يبدو فيها وجوده نفسه مغامرة تستحق الذكر والتنويه. ألم يكن لعبارة «يجب أن تغير حياتك» طوال حقبة عزوبته، أثر ألسنة لهب تؤرق عليه سكينته؟! لقد تغيرت الحياة بالضرورة الآن تغيراً جذرياً، كان قد أخذ أهبته، من قبل، لتغيرات طفيفة فقط، أما الآن فقد ألفى نفسه حبيساً في المنزل، فجعل يفكر، أثناء دورانه في الشقة ليلاً طويلاً بالطفلة الباكية. في أن الحياة قد زوت عنه وجهها، حقيقة لا مجازاً، وإلى أجل غير مسمى».

طوال القراءة كنت أراني الشاب تارة، والطفلة تارة أخرى، بقي أن أقول أن هذا الكتاب ليس من أدب الناشئة أو الأطفال، بل هو كتاب للبالغين، كالعادة أزعجني غلاف النسخة العربية من العمل، فالتجريد الذي يؤسس هذه الكتابة ويدفعها في كل فصول العمل، كان يقتضي تجريداً مماثلاً في تصميم الغلاف، على غرار النسخة الألمانية التي صدرت عنه. لكن القارئ العربي محظوظ بترجمة بديعة، لا تقل ألقاً عن جمال كتابة هاندكه، بل تبدو أكثرها فهماً له - أقول هذا وقد قرأت كل أعمال الكاتب النمساوي الذي حاز على جائزة نوبل المترجمة للعربية - مع صعوبة واجهتني في بعض الفقرات لأنني اعتدت على لغة أكثر سهولة، لغة أصبحنا نصفها بلغة «المتَرجَم» للتفريق بينها وبين كتابة باللغة العربية، أما هنا فلم أحس بهذا الفارق، وبتُ تواقة لقراءة ترجمات أخرى لـ د.الفارس علي . طرح هذا الكتاب لأول مرة الأسبوع الماضي في معرض كتاب أبوظبي الدولي للكتاب، عن هيئة السياحة والثقافة عبر دار نشر «كلمة». لم أجد للكتاب ترجمة إنجليزية، ولا شك بأنني سأعيد قراءته.

أعمدة
No Image
هوامش... ومتون : شبّاك لميعة
عبدالرزاق الربيعيحين بلغني خبر رحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة في سان دييجو الامريكية عن٩٢ سنة، فإن أول شيء فعلته هو إرسال تعزية إلى الصديق غيلان نجل الشاعر بدر شاكر السياب التي كانت زميلة والده في دار المعلمين العالية- كلية الآداب بجامعة بغداد، وملهمته، ومرّ ذكرها بشكل غير مباشر في...