No Image
عمان اليوم

أفكار شبابية تستثمر المقومات الطبيعية في مشاريع مبتكرة تعزز اقتصاد المعرفة

21 يناير 2026
21 يناير 2026

كتبت – فاطمة الحديدية 

نجح عدد من الشباب العُماني في تحويل أفكارهم المستوحاة من مقومات الطبيعة إلى مشروعات مبتكرة تخدم وطنهم ومجتمعهم وتسهم بشكل فعّال في مسيرة التنمية العمانية، وسنستعرض فيما يلي مشاريع طلابية من جماعة الهندسة المدنية والمعمارية بجامعة السلطان قابوس، لتكون أفكارا ملهمة تعزز اقتصاد المعرفة...

متحف العلوم للأطفال

بفكرة من عالم الطفولة، حيث يبدأ الفضول أولى خطواته نحو المعرفة، شكلت بيان بنت ناصر العزرية مشروع متحف العلوم الذي يأتي كمنصة تعليمية وثقافية تهدف إلى إلهام عقول النشء في سلطنة عُمان، وتعزيز فضولهم العلمي وقدرتهم على الإبداع، انسجامًا مع رؤية عُمان وتوجهاتها نحو بناء مجتمع معرفي مبتكر. صُمم المبنى ليكون بيئة تفاعلية تجمع بين التعلم والترفيه، حيث لا يقتصر دور المتحف على عرض المعلومات، بل يقدّم تجربة علمية حية قائمة على الاكتشاف والمشاركة والتفاعل المباشر مع المحتوى العلمي.

ويعكس المفهوم المعماري للمتحف سيولة المعرفة وتكاملها، إذ تبدأ رحلة الزائر من مساحات تمثل المعرفة العامة والاستقبال، مثل بهو الدخول والقاعة العامة، ثم تتدرج الحركة نحو مساحات عرض أكثر تخصصًا، بما يعكس تطور الفهم العلمي لدى الأطفال.

وتنتهي هذه الرحلة في منطقة دائرية مركزية ترمز إلى تكامل الأفكار وتلاقي العلوم المختلفة.

ويسهم هذا التسلسل المكاني في تنظيم حركة الزوار بسلاسة، مع ضمان وضوح المسارات وسهولة التنقل داخل المبنى.

ويضم المتحف قاعات عرض متعددة موزعة بشكل مدروس، حيث يحتوي الطابق الأرضي على قاعة الأحياء التي تتيح للأطفال استكشاف عالم الكائنات الحية من خلال معروضات تفاعلية وتجارب مبسطة تعزز الملاحظة والاستنتاج. أما الطابق العلوي، فيضم قاعة الكيمياء والفيزياء التي تشجع على فهم الظواهر العلمية من خلال التجربة، إلى جانب قاعة الفضاء التي توسّع مدارك الأطفال حول الكون. كما يضم المتحف مساحات عرض تفاعلية تعتمد على التعلم بالممارسة، إضافة إلى قاعات متعددة الاستخدام تستضيف الأنشطة التعليمية والفعاليات.

وإلى جانب الوظائف الداخلية، يولي المشروع اهتمامًا كبيرًا بـالمساحات الخارجية التي صُممت لتكون امتدادًا للتجربة التعليمية داخل المتحف. وقد جرى تخطيط (اللاندسكيب) بشكل منظم ومدروس، بحيث يشمل مواقف مخصصة للسيارات تضمن سهولة الوصول وتنظيم الحركة، إضافة إلى مساحة خارجية مفتوحة وواسعة مخصصة للأطفال، وتتيح هذه المساحة للأطفال التفاعل مع مجسمات كبيرة مستوحاه من معروضات المتحف الداخلية، مثل الكواكب والأشجار، ما يساهم في تحويل المفاهيم العلمية إلى تجربة بصرية وحسية ممتعة. كما صُممت المساحة الخارجية بأسلوب ملون وجذاب يشجع الأطفال على اللعب والاستكشاف والتعلم في بيئة مفتوحة وآمنة.

ويشمل المبنى كذلك على مساحات تعليمية داعمة، مثل ورش العمل والمختبرات التعليمية، إلى جانب المكتبة والبلانيتاريوم، التي تسهم في تعزيز المعرفة العلمية بوسائل متنوعة. وتتكامل هذه الوظائف مع مساحات خدمية وإدارية تشمل مكاتب الإدارة، مناطق الموظفين، المخازن، متجر الهدايا والمطعم، بما يضمن كفاءة التشغيل وراحة الزوار. ومن خلال تكامل التصميم المعماري واللاندسكيب، يجسد المتحف رسالة تربوية تسعى إلى بناء جيل واعٍ بالعلم، قادر على التفكير النقدي، ومؤهل للمشاركة الفاعلة في مستقبل عُمان المعرفي .

معهد الأبحاث البحرية

من عمق علاقة العُماني بالبحر، قدّمت فاطمة بنت مالك الخروصية مشروعا يحمل رؤية معرفية تسعى إلى إعادة وصل المجتمع بعالمه البحري. فكرةٌ انطلقت من الإيمان بأن البحر ليس مجرد امتدادٍ جغرافي، بل مصدر علم ومعرفة وبحث، فجاء المشروع ليكون مساحة تعليمية تفاعلية تعزّز الوعي البحري وتدعم البحث العلمي بأسلوب معاصر ومتكامل. وتتمثّل رؤية المعهد في دعم البحث العلمي البحري، وتنمية المعرفة، وتعزيز العلاقة بين الإنسان والبحر، ليكون منصة علمية وثقافية تسهم في تطوير الدراسات البحرية وخدمة المجتمع بأسلوب مستدام وملهم.

يتكوّن المشروع من كتلتين رئيسيتين مترابطتين وظيفيًا ومعماريًا، تضم الكتلة الأولى منطقة عامة للزوّار تشمل معرضًا بحريًا تفاعليًا يعرّف الزائر بالبيئة البحرية وأهميتها، إلى جانب أنشطة تعليمية وترفيهية مخصّصة للعامة، ومسرحًا يستضيف الفعاليات والمناشط المختلفة المرتبطة بالبحر والعلوم البحرية. تهدف هذه المنطقة إلى نشر الثقافة البحرية وإشراك المجتمع بأسلوب مبسّط وجاذب.

أما الكتلة الثانية، فهي مخصّصة للجانب الأكاديمي والبحثي، وتحتوي على فصول دراسية، مختبرات ومعامل بحثية مجهّزة لدعم الدراسات والتجارب العلمية، إضافة إلى مرسى بحري مخصّص لسفن المعهد البحثية، بما يوفّر بيئة عملية متكاملة لإجراء الأبحاث الميدانية والدراسات البحرية.

تم استيحاء الشكل المعماري للمشروع من حركة موج البحر، حيث يعكس التصميم الديناميكية والانسيابية المرتبطة بالبيئة البحرية، ومع التطوير والتعديل تطوّر الشكل ليصل إلى صورته النهائية المتناغمة مع الموقع الساحلي. كما يضم المشروع حديقة خارجية مزوّدة بمرافق متنوعة، إلى جانب مطعم مكوّن من طابقين مع شرفة مطلّة على البحر وجلسات خارجية تعزّز تجربة الزوّار وتربط المشروع بالمحيط الطبيعي.

مركز عمان للفلك والفضاء

في لحظةٍ هادئة، وتحت سماء عُمانية مرصعة بالنجوم، ولدت فكرة مختلفة، فكرة لم تكتفِ بالنظر إلى السماء، بل قرّرت أن تقرّبها من الناس، هكذا صمّمت مريم بنت عمران الحبسية مشروعها "مركز عُمان للفلك والفضاء"، ليكون بوابةً يدخل منها الجميع إلى عالم النجوم والكواكب، بلغةٍ بسيطة، وتجربةٍ حيّة، وشغفٍ لا ينتهي.

تتجسّد رؤية المشروع في تعزيز التعليم، وتنمية الفضول العلمي، ودعم الابتكار، ليكون المركز مساحة تجمع بين الزوّار والطلاب والباحثين، وتُسهم في بناء مستقبل علمي ملهم لعُمان في مجال الفضاء والاستكشاف.

ويهدف المركز إلى تقديم علم الفلك بطريقة مشوّقة، تفاعلية، وقريبة من الجميع. وينقسم المشروع إلى منطقتين رئيسيتين: منطقة المعارض ومنطقة المختبرات. في منطقة المعارض، يمر الزائر بأربع تجارب متتالية: شاهد، تعلّم، جرّب، واستكشف، حيث يبدأ بالتعرّف على أساسيات علم الفلك، ثم نظامنا الشمسي، مرورًا بما هو أبعد من مجرّتنا، وصولًا إلى معرض متنوّع يستخدم الوسائل البصرية والتفاعلية لدمج المتعة مع المعرفة. تتضمن هذه المنطقة قبة فلكية، ومنصة تلسكوب، وعروضًا تعليمية تعيش من خلالها التجربة بدلًا من الاكتفاء بالمشاهدة. أمّا منطقة المختبرات، فهي مخصّصة للجانب العلمي والتطبيقي، وتضم أربعة مختبرات: المختبر البصري، مختبر الراديو، مختبر تحليل البيانات وعرضها، ومختبر الاختبارات. وتوفّر هذه المختبرات بيئة مناسبة للطلاب والباحثين لمراقبة البيانات الفلكية، تسجيلها، وتحليلها بصورة عملية.

متحف التنوع الحيوي

قدمت وئام بنت حمود الناعبية مشروع متحف التنوع الحيوي في سلطنة عُمان والذي يهدف إلى رؤية معمارية وثقافية تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي وترسيخ العلاقة بين الإنسان والطبيعة، من خلال مبنى يتجاوز دوره التقليدي كمتحف ليصبح تجربة تعليمية ومعرفية متكاملة. ويسعى المشروع إلى إبراز ثراء التنوع الحيوي في السلطنة، ودعم الجهود الوطنية لحماية الأنظمة البيئية والحفاظ عليها للأجيال القادمة.

استند التصميم المعماري إلى مفهوم حلقة اللانهاية المستوحى من شريط موبيوس، بوصفه رمزاً لاستمرارية الحياة وترابط عناصر البيئة. وقد تُرجمت هذه الفكرة إلى كتلة معمارية منسابة ذات ارتفاعات متدرجة، مستلهمة من تضاريس الجبل الأخضر، بما يمنح المبنى هوية ديناميكية تنسجم مع السياق الطبيعي المحيط. واختير موقع المشروع في منطقة الخوض بمحافظة مسقط، بجوار الحديقة النباتية العُمانية، ليشكّل المتحف امتداداً عمرانياً وتعليمياً للمشهد البيئي في المنطقة.

في قلب المشروع، تبرز الكرة الزجاجية التي تحتضن متحفاً مخصّصاً للنباتات الحية، صُمّمت كنظام بيئي متكامل يحاكي البيوت الزراعية، ويوفّر الظروف المناخية المناسبة للحفاظ على حياة النباتات الحساسة من حيث الإضاءة والرطوبة ودرجات الحرارة. وتتيح هذه القبة للزوار التجوّل داخلها والتفاعل المباشر مع النباتات المحلية، ما يعزز الفهم الحسي لقيمة الغطاء النباتي العُماني.

ولا تقتصر تجربة الزائر على الفراغات الداخلية، إذ يضم المتحف مخرجاً يقود مباشرة إلى بيئات نباتية خارجية خُصّصت للأنواع التي لا يمكنها العيش داخل المبنى، مثل النخيل وغيرها من النباتات التي تتطلب تهوية مفتوحة وضوءاً شمسياً مباشراً. وقد صُمّمت هذه المساحات ضمن لاندسكيب تعليمي متكامل، يضم مسارات توعوية ونقاط معرفة تربط الزائر بالبيئة الطبيعية بشكل مباشر.

واعتمدت القرارات التصميمية على مبادئ واضحة في الاستدامة البيئية، حيث وُزّعت قاعات العرض على جانبي المبنى للاستفادة القصوى من الإضاءة الطبيعية. كما جرى توظيف عناصر معمارية مثل الأسقف الزجاجية والفناء الداخلي لتعزيز التهوية الطبيعية وتقليل الاعتماد على أنظمة التكييف. وتم استخدام عناصر تظليل على الواجهتين الشرقية والغربية، إلى جانب كاسرات شمسية في الواجهات والأسقف، للحد من الإشعاع الشمسي المباشر وتحسين الأداء الحراري للمبنى.

وبهذه الرؤية المتكاملة، يطمح متحف التنوع الحيوي إلى أن يكون معلماً وطنياً يعكس قيمة البيئة العُمانية، ويؤكد أن حماية التنوع الحيوي مسؤولية مشتركة لا غنى عنها لمستقبل أكثر استدامة.