افتتاحية.. حان زمن «اقتصاد التجارب»
10 يونيو 2026
10 يونيو 2026
يمكن تفسير المحاولة الأولى لخروج الإنسان من حدود المكان الذي وُلد فيه بوصفها خطوات لفهم العالم واكتشاف المعنى الكامن خلف اختلاف البشر والأمكنة، ففي القرن الخامس قبل الميلاد جاب المؤرخ اليوناني هيرودوت مناطق بعيدة عن موطنه مدفوعًا بالرغبة في الاستكشاف وجمع الروايات ليصبح بذلك أحد أقدم من تعاملوا مع السفر بوصفه نافذة على الحضارات، وبعده بقرون طويلة وصل الرحالة الإيطالي كيرياكوس الأنكوني إلى الشرق الأوسط في القرن الخامس عشر بحثًا عن الآثار والذاكرة التاريخية للشعوب في وقت كان فيه السفر نفسه مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ومع الثورة الصناعية وتطور وسائل النقل بدأ السفر يتحول تدريجيًا من مغامرة فردية شاقة إلى نشاط منظم يمكن أن يمارسه عدد أكبر من الناس، وفي عام 1841 نظم الإنجليزي توماس كوك أول رحلة جماعية مدفوعة ليضع بذلك الأساس لما نعرفه اليوم بالسياحة الحديثة، ومنذ تلك اللحظة أضحى السفر صناعة متكاملة تنمو مع اتساع الطبقة الوسطى وتطور البنية التحتية العالمية، ثم جاء القرن الحادي والعشرون ليشهد تحولًا أكثر إدهاشًا عندما دفع رجل الأعمال الأمريكي دينيس تيتو عشرين مليون دولار ليصبح أول سائح فضائي في العالم عام 2001 معلنًا بداية مرحلة جديدة تتجاوز فيها السياحة حدود الأرض نفسها.
إلا أن التحول الأعمق في مفهوم السياحة لم يحدث في الفضاء ولكن داخل حياتنا اليومية، فاليوم لم يعد الإنسان بحاجة إلى عبور القارات كي يرى المدن أو يتأمل المعالم أو يعيش جزءًا من ثقافة بعيدة بفضل التقنيات الرقمية؛ حيث أصبحت الشاشات بوابات مفتوحة على العالم وتحول كثير منا إلى ما يشبه «رواد السياحة الافتراضية»، فمن خلال مقاطع الفيديو والمنصات التفاعلية وتجارب الواقع الافتراضي بات بالإمكان التجول في شوارع طوكيو، أو مشاهدة غروب الشمس في سانتوريني، أو استكشاف متاحف باريس، دون مغادرة المنزل، وبذلك أصبح العالم أكثر انكشافًا من أي وقت، وأصبحت الصورة متاحة للجميع دون تكلفة تذكر.
والسؤال المطروح هنا، إذا كانت التكنولوجيا قادرة على نقل الصورة فما الذي يدفع الإنسان إلى السفر فعليًا؟ وما القيمة التي يمكن أن تقدمها الوجهة السياحية في زمن يستطيع فيه السائح مشاهدة كل شيء مسبقًا عبر هاتفه المحمول؟ هنا تحديدًا بدأت السياحة العالمية تدخل مرحلة جديدة تقوم على ما يعرف بـ«اقتصاد التجارب» وهو التحول الذي لم يعد يكتفي بعرض المكان، بل يسعى إلى صناعة تجربة إنسانية متكاملة تجعل الزائر يعيش الثقافة بدل أن يراها من الخارج فقط.
وعليه، نبحر معكم في العدد السابع عشر من ملحق جريدة عُمان الاقتصادي في نقاشات عميقة مع خبراء ومختصين، ونقرأ عبر الأرقام والمؤشرات الوجه الجديد للسياحة بما يحمله من فرص اقتصادية واعدة وتحديات متجددة، كما نتوقف عند قدرة الدول على بناء هويات سياحية مميزة لا تكتفي بعرض المكان ولكن تصنع حوله تجربة مختلفة، قادرة على تحويل الزائر من مشاهد عابر إلى مشارك في حكاية المكان وثقافته وذاكرته.
رحمة الكلباني محررة الملحق
