No Image
عُمان الاقتصادي

الحق في السكن الحضري تساؤلات خارج المدن الكُبرى

10 يونيو 2026
«العمران لا يغيّر شكل المكان فقط، بل يعيد تشكيل وعي الأفراد وطموحاتهم وتصوراتهم عن الحياة الجيدة»
10 يونيو 2026

علي الرواحي

 

تعد المدن من الاختراعات البشرية الكبرى التي أسهمت في تغيير تفكير الأفراد، وإعادة تشكيل المجتمعات، وتحويل نمط حياتهم من النمط المنعزل الذي يراكم ويرسخ عددا معينا من الأفكار والتصورات المحدودة بما فيها التفاعل الذي يقتصر على مجموعة سكانية، وتناول وجبات محددة، والقيام بسلوكيات مألوفة، ورفض الأفكار والسلوكيات الجديدة التي لا تتسق مع السلوكيات والأفكار المتوارثة. 

بهذا المعنى، لا تنحصر مهام المدن في السكن وتوفر الخدمات وسهولة الوصول إليها فقط، بل تشكل في المقام الأول فضاء حضريا تلتقي فيه الأفكار والرؤى بين الجميع في فضاءات عامة، يتداولها الأفراد فيما بينهم بكل حرية وشفافية، وهي بهذا الجانب تقوم بدور الفضاء العمومي في صيغته الأولية الذي يستطيع فيه السكان صهر أفكارهم وتطلعاتهم فيما بينهم. وإذا كانت المدن كما يرى ديفيد هارفي «تعيد تشكيل البشر» ليس من الناحية الحضرية التي تشمل السكن الجيد والقدرة على الوصول للخدمات، فإنها تعكس في المقابل تصورات الأفراد عن أنفسهم، وعن طموحاتهم تجاه الحياة بشكل عام من حيث الجوانب السياسية والاجتماعية وغيرها. بالإضافة لذلك، لا ينحصر التحول الحضري على تحسين السكن أو تسهيل الوصول إلى الخدمات فحسب، بل يمتد إلى تشكيل وعي الأفراد وهوياتهم الاجتماعية والسياسية. فالعمران يغيّر أنماط التفاعل، ويعيد توزيع الفرص والقيود، ما ينعكس بدوره على طموحات الناس وتصوراتهم بشأن الحياة الجيدة والعدالة والحرية. بهذا المعنى، المدينة هي مكوّن من فضاء مادي واجتماعي وسياسي في آن واحد. 

علاوة على ذلك، تلعب المساحات العمومية دورا محوريا في تمكين المشاركة والاحتكاك بين فئات المجتمع المختلفة. حين تكون هذه المساحات متاحة، وآمنة، ومتنوّعة في وظائفها، تصبح ساحات لتبادل المعرفة وبناء التضامن الاجتماعي. بالمقابل، إن غياب المساحات العمومية أو تحويلها إلى أماكن مخصّصة للتوزيع الطبقي أو الاستهلاكي يفرّغ المدينة من قدرتها على إنتاج الخطاب العام والتعبير الجماعي، ويقوّي العزلة والتفكك الاجتماعي. 

إن هذه الرؤية النموذجية لا تنطبق على أرض الواقع؛ فالمدن لم تتحقق بهذا المعنى النظري الحالم، بل كانت عبارة عن تجمعات سكنية متفرقة، تفتقر في جانب كبير منها لأدنى درجات الجانب الحضري المتعارف عليه، بل كانت عبارة عن إسمنت وحديد يحاصر الفرد، وإسفلت أسود يشق الجغرافيا. 

المدن.. بين سياسة الدولة 

وهيمنة رأس المال 

في هذا الجانب، تبنت الدولة منذ فترة طويلة سياسة توزيع الأراضي والمساكن التي لا تقوم على تخطيط حضري، كما سبق القول، بل خضعت لتوزيع عشوائي للسكن، مع نقص كبير في الخدمات الأساسية التي لا يمكن للإنسان المعاصر أن يعيش بعيدا عنها. الأمر الذي جعل الفرد يتحمل الكثير من التكاليف المادية، والاجتماعية، والنفسية. بالإضافة لذلك، ونتيجة لهذه السياسات سيطر البناء العشوائي على قلب وروح الأحياء السكنية، ما جعلها تفتقر ليس للخدمات فقط، بل ولكل ما يجعل هذه الأحياء شيئا آخر غير الإسمنت والحديد المتناثر في صحراء قاحلة، وتحت شمس ساطعة، لتنتج بذلك اختناقات مرورية، وكثافة سكانية غير منظمة، ومحلات تجارية متناثرة، وبنايات بلا شكل عمراني، أو حضري. 

ولحل هذه المعضلة المتمثلة في رغبة المرء بالسكن الحضري والعصري من جهة، وبين عدم توفر الخدمات في هذه الأحياء السكنية من الجهة الأخرى، أصبح من الضروري أن يتدخل رأس المال، المحلي وغير المحلي، ليساهم في بناء مدن عصرية، تتناسب مع المتطلبات التي يعشيها الفرد العالمي، وذلك عن طريق بناء مجمعات سكنية، ومدن شبه مغلقة، مرتفعة التكاليف، لا تتناسب مع مداخيل الطبقة المتوسطة، التي تعتبر الشريحة الأوسع في المقام الأول، والتي أصبحت تتآكل مع ارتفاع التضخم، وغلاء الأسعار، وشح الوظائف، وضعف القوة الشرائية. 

بهذا المعنى، أصبح توفر رأس المال شرطا أساسيا للسكن الحضري المتمدن، وليس حقا أساسيا للمواطن، فالمال يتحكم في مدى قدرة الفرد على العيش الحضري، والحياة اللائقة التي ينبغي أن يتمتع بها. لذلك أصبحت المدن المغلقة هي الخيار الممكن لتحسين الوضع المعيشي. 

مدن كبرى أم مدن مغلقة؟في هذا الجانب، أصبح رأس المال يفرض شروطه على نوعية وجودة الحياة، فالحياة الجيدة والعصرية ليست حقا للجميع، بل أصبحت حكرا على من يمتلك المال، في حين أن من لا يمتلكه يجد نفسه خارج هذه المعادلة المهمة. غير أن لذلك تداعيات كثيره، منها أن هذه المدن تخلق طبقية جديدة، بالإضافة لطبقية السكن المديني والريفي، تتمثل في عدم قدرة الجميع على الدخول إليها، والتمتع بمرافقها، ناهيك عن العيش فيها واستخدام ما يميزها. فهي مدفوعة الثمن من جهة، ومغلقة أمام غير القاطنين فيها من الجهة الأخرى. وهذا يشكل كما تذهب لذلك الدراسات الحضرية تفاوتا جديدا بين من يملكون المال، ومن لا يملكونه، تؤدي لتكوين علاقات ومستويات معيشية مغلقة، وتخلق جيتوهات بين أبناء المدينة الواحدة. غير أن تدخل الدولة لحل هذه الإشكالية عن طريق بناء مدن عامة، بشروط مالية متفاوتة، من شأنه أن ينشئ فضاء حضريا عموميا، يساهم في تحسين مستويات الحياة لدى الأفراد من جهة، وإنشاء علاقات اجتماعية تفاعلية من الجهة الأخرى. 

هل خارج المدن = خارج الزمان؟ 

ولكن السؤال هنا : ماذا عن الأحياء السكنية خارج المدن الكُبرى؟ وكيف يتم التعامل معها؟ 

من المعروف أن المساحات السكنية تشكل خارج المدن الكبرى، النسبة الأكبر من الأحياء السكنية القديمة والحديثة على حد سواء، وهي تأتي تنفيذا للسياسات الحكومية التي انتهجتها الجهات المعنية في السنوات الماضية ولا تزال مستمرة عليها، والتي تتلخص كما سبق القول في توزيع الأراضي، وقيام الأفراد ببناء منازل عشوائية حسب موقع الأرض، بعيدا عن الخدمات المتوفرة في هذه المناطق. وبين هذه المدن تمتد المساحات الشاسعة، خارج المخططات الحضرية والمدينية، وتتوزع المنازل المتناثرة، والأحياء السكنية العشوائية، التي من الممكن أن ينتظر الفرد سنوات طويلة لتصله الخدمات الأساسية. 

ليأتي السؤال هنا، عن الخطة الزمنية الفعلية لتحسين هذه الأحياء السكنية خارج هذه المدن؟ وما طبيعة هذه التحسينات؟ من الضروري الأخذ بعين الاعتبار هذه الأحياء السكنية الجديدة خارج هذه المدن، وذلك لتقليص الاكتظاظ خارج المدن الكبرى في المقام الأول، وليشعر المواطن في هذه الأحياء بأن التنمية ليست حكرا على مناطق معينة في المقام الثاني، ولتعيد تشكيل أفكاره وتفاعلاته اليومية : الصحية والنفسية والاجتماعية وغيرها، بما يتناسب مع الطموحات والمتطلبات المدينية العالمية. 

ليس السكن عبارة عن أسمنت وحديد فقط، بل عبارة عن منظومة متكاملة من الخدمات التي توفرها الدولة الراعية والمتكفلة بتقديم الخدمات للمواطنين. كما أن السكن لم يعد بالصورة البدائية والأساسية، بل أصبح ينظر إليه على أنه يعكس الصورة العامة ليس للفرد القاطن فيه، بل للمنظومة العمرانية التي تقف خلفه، وتسعى لتنفيذ نقلة نوعية في طرق السكن، وإندماج الأفكار وتفاعلها بين القاطنين في هذه الأحياء، وهذا يعني بأن العزلة التي تشتكي منها الأحياء السكنية الجديدة من الممكن تغييرها واستبدالها بنمط حضري وعمراني تفاعلي، لا يقتصر على الاستخدام النفعي للسكن، بل يمتد إلى الجوانب المعنوية للفرد. 

علي بن سليمان الرواحي باحث ومترجم في القضايا الفلسفية المعاصرة