اقتصاد الهوية.. عُمان حين تنمو من داخل شخصيتها
«الحداثة التي تنجح ليست تلك التي تستنسخ العالم، بل التي تفهم مكانها داخله»
تتشابه الدول، وهي تسعى إلى التحديث والنمو، في لغتها ومفرداتها، فتردد عبارات المطارات الكبيرة والطرق السريعة والواجهات البحرية والمناطق الحرة والفنادق والمراكز التجارية التي تستطيع جذب أشهر العلامات التجارية في العالم. هذا مفهوم جدا؛ فكل دولة تريد أن تكون مركزا إقليميا وبوابة لوجستية وتحصل على حصة أكبر من السياح ورؤوس الأموال.
هذا التشابه في اللغة والإجراءات والنماذج الاقتصادية ونماذج بناء المدن الحديثة يبرر قلق البعض من خطر ضياع الهوية، الهوية العمرانية والهوية الثقافية التي نفقدها عندما نبني مدنا لا تشبه نفسها ولا سياقها التاريخي، وعندما نبني نماذج اقتصادية لا تنطلق من طبيعة المكان وذاكرته.
تدخل سلطنة عُمان مرحلة اقتصادية مختلفة بطموحات كبيرة تمتزج فيها الإرادة السياسية بطموحات أجيال عمانية شابة تحلم أن تكون عُمان في مصاف الدول المتقدمة في كل شيء. وهذا التمازج بين إرادات قادمة من أجيال مختلفة ظاهرة صحية تكشف عن رغبة حقيقية في استمرار البناء والتحديث والتطوير، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تصورات مختلفة لشكل التحديث الجديد ومحدداته. ثمة تجارب كثيرة في العالم حافظ بعضها على الهوية والسياق الثقافي والاجتماعي والتراكم التاريخي فلم يفقد نفسه، فيما اختارت تجارب أخرى استدعاء نماذج لا تنتمي إلى المكان ولا تستند إلى مرجعية ثقافية أو إطار تاريخي واضح، فبدت منقطعة عن ماضيها وسياقها.
عُمان، وهي تبني اقتصادها ومدنها وخطابها التنموي، تحتاج أن تبقى وفية للشخصية التي صنعت حضورها عبر التاريخ؛ شخصية تشكلت من الجغرافيا والجبال والسهول والقلاع والحصون والأفلاج والسردية التاريخية، ومن عمران استمد سماته من المناخ والمواد المحلية والمقياس الإنساني.
تبدو هذه العناصر للوهلة الأولى ثقافية وسياحية في آن إلا أنها في الاقتصاد الحديث يمكن أن تكون أصولا منتجة ضمن أصول الدولة؛ فالقيمة الاقتصادية في الاقتصادات الحديثة تصنعها المادة كما تصنعها القصة، والسائح يشتري تجربة سياحية لها سياقها التاريخي المرتبط بالمكان، وهذه التجربة مهمة جدا بالنسبة للمستثمر الذي يستطيع أن يبني عليها قصة منتجه.
لهذه الأسباب وغيرها يحتاج النقاش الاقتصادي في عُمان أن يخطو خطوة أبعد من مفردات التنويع التقليدية التي تجيب على سؤال مصادر الدخل.. نحتاج إلى نقاش يجيب على سؤال اقتصاد الهوية والقيمة التي تستطيع عُمان إنتاجها لأنها عُمان. هذه الأسئلة تنقل التراث العماني من مساحة الحفظ إلى مساحة إنتاج القيمة، وتمنح الثقافة العمانية موقعا داخل صناعة السياسة الاقتصادية.
لقد صارت الثقافة في الاقتصاد الحديث جزءا من صناعة النمو؛ فالمدن التي تحتفظ بفرادتها تملك قدرة أكبر على جذب الزوار والمواهب والاستثمار، والمنتجات التي تحمل قصة واضحة تخرج من منافسة السعر إلى منافسة القيمة. لذلك يتحول الهاجس من آليات حفظ التراث إلى آليات تحويله إلى معرفة وخدمة وصناعة وفرصة عمل.
والكثير من دول العالم أدركت هذا الجانب متأخرا، وعملت على تحويل المدن التاريخية، التي كانت عبئا على خطط التحديث، لتكون نقاط جذب استثماري في مجالات المعرفة والسياحة. وتحولت الصناعات الإبداعية إلى جزء أساسي من التجارة والخدمات والتشغيل. وتملك سلطنة عُمان مقومات كبيرة في هذا المجال تعمل على توظيف بعضها فيما يحتاج البعض الآخر إلى اهتمام أكبر.
تملك سلطنة عُمان اليوم متاحف عديدة، وفي خططها القادمة متاحف جديدة تضيف طبقة مهمة للثقافة والاقتصاد. وتملك أيضا أسواقا قديمة وحارات متكاملة وقلاعا وحصونا وأبراجا ومساجد أثرية وأودية وأفلاجا. هذه الأمكنة تمنح المدن إحساسا لا تصنعه مراكز التسوق؛ إحساسا بالمكان وبالتاريخ وبالتجربة الإنسانية التي تراكمت حوله.
هذه الأمكنة ثرية، وقادرة على إيقاظ الدهشة في العُماني نفسه قبل الزائر القادم من بعيد. وعُمان ما زالت تملك فرصة نادرة لأن صورتها ما زالت مرتبطة بهذه الفضاءات، لكن هذه الصناعة تحتاج إلى إدارة واعية بسياقاتها التاريخية وامتداداتها في الذاكرة والمخيال الشعبي، وإلى نموذج اقتصادي يخرج من المكان نفسه ويكون امتدادا له وليس مستوردا من نماذج لا تنتمي للمكان ولا تملك القدرة على التماهي فيه. ما زال الكثير من هذه الأصول الاقتصادية تُزار في سياق الوقوف على الأطلال واستدعاء الحنين، فيما الأولى أن تحول لتكون جزءا من النموذج الاقتصادي حتى تستطيع صناعة التفرد والقيمة المضافة.
تنمو المدن في العالم بشكل متسارع كل يوم، نموا سكانيا وعمرانيا، ومع كل طبقة نمو تفقد المدينة شيئا من ملامحها ومع الوقت تتشابه المدن كلها فلا تستطيع أن تفرق بين مدينة وأخرى. تجنبت عُمان هذا المصير خلال العقود الخمسة الماضية، وتستطيع الاستمرار خاصة إذا تعاملت مع التصميم العمراني كجزء من الاقتصاد؛ فالشكل العمراني، في النهاية، يحدد نوع الحياة ونوع التجارة، ونوع الذاكرة التي يراد ربطها بالمكان.
تستطيع، مسقط، على سبيل المثال، أن تبني واجهات بحرية ومنتجعات سياحية دون أن تتخلى عن الأسواق القديمة، وعن الحارات القديمة في مسقط القديمة وفي مطرح وقرى الصيادين. والأمر نفسه في بركاء وفي صحار وفي صور وفي كل المدن العمانية. الحداثة التي تنجح في عُمان هي الحداثة التي تفهم السياق التاريخي وتضع اعتبارا للطقس وللضوء الذي تصنعه خيوط الشمس في الصباح والمساء. الحداثة التي تنجح هي التي تكون امتدادا للناس وسياق حياتهم.
والسياحة هي المجال الأكثر وضوحا لهذه الفكرة ولهذا النموذج الاقتصادي. تملك عُمان ما يجعلها مختلفة إنسانيا وطبيعيا، والتحدي الحقيقي هو في تحويل كل عناصر التفرد العماني إلى نموذج اقتصادي متكامل يتجاوز الصور المتفرقة والحملات الموسمية. الزائر والسائح الذي يذهب إلى أي مدينة عُمانية يحتاج إلى سردية متماسكة وإلى منتجات محلية حقيقية وبجودة عالية لكنها مستمدة من المكان نفسه ومن سرديته لا مستوردة من مكان آخر. وإلى مرشدين يعرفون التاريخ كما يعرفون الطريق. والتنوع مهم في هذا النموذج وفق معطيات كل مدينة عُمانية حتى لا تكون التجربة مستنسخة فتفقد إثارتها ودهشتها.
ثم تأتي الصناعات الإبداعية بوصفها بابا اقتصاديا واسعا أمام الشباب، ويمكن أن تتكامل هذه الصناعات مع السياحة عبر السينما والفنون المرتبطة بالمكان والأزياء وتجارب الطبخ التقليدي والصناعات المتصلة بالتراث. وفي ظل وجود محافظ تمويلية لمثل هذه المشاريع يمكن لهذه القطاعات أن تتحول من مبادرات فردية إلى جزء من تجربة اقتصادية أوسع.
اللبان والفضة والخنجر والحلي النسائية والسفن والنسيج وصناعة الفخار والمطبخ العماني وحكايات البحارة والقصص الشعبية العمانية والفنون الشعبية والعمارة المحلية كلها قابلة للتحول إلى منتجات وخدمات وتجارب تثري النموذج الاقتصادي. والقيمة الحقيقية تنشأ حين يخرج المنتج المحلي من خانة المنتج التذكاري إلى خانة التصميم الإبداعي والسردية القابلة للتصدير.
وهذا النموذج يمكن أن يدعم اقتصاد المحافظات، فكل محافظة في عُمان تملك شخصية اقتصادية مستمدة من معطياتها الجغرافية ومن تاريخها وتراثها ومن تجارب الإنسان فيها ما يمنحها سردية خاصة وتجربة قادرة على جذب الزوار من داخل عُمان وخارجها.
نموذج اقتصاد الهوية يبدأ من قراءة المكان قبل الاستثمار فيه؛ قراءة جغرافيته وتاريخه ومهارات أهله والقصص التي صنعت صورته في الذاكرة العامة؛ فالاقتصاد الذي يفهم المكان يستطيع أن يحوله بسهولة إلى قيمة حقيقية قادرة على الإضافة. وحين يجد الشاب في محافظته مسارا للعمل والإبداع والاستثمار تصبح علاقته بالمكان أكبر وأعمق فيحوله من فضاء للإقامة إلى فضاء للإنتاج وصناعة الفرصة الدائمة. ويحتاج كل ذلك إلى قراءة دقيقة للمكان وتاريخه، وإلى دليل عملي يوضح كيف تتحول هذه المعطيات إلى قيمة اقتصادية عبر تجارب واقعية قابلة للتكرار؛ فالاستنساخ أو التسطيح يصنعان أثرا مؤقتا، بينما تمنح القراءة العميقة للمكان قدرة أكبر على الاستمرار.
استطاعت عُمان، عبر تاريخ طويل، أن تتقدم وهي محتفظة بملامحها الأساسية. حدث ذلك في منطقة تغيرت فيها المدن بسرعة وتبدلت فيها نماذج التنمية وتشابهت فيها الصور والواجهات. واليوم، وهي تدخل مرحلة اقتصادية جديدة، تبدو الحاجة أكبر إلى تحويل هذا الرصيد العميق من الجغرافيا والذاكرة والعمران والثقافة إلى جزء من النمو نفسه؛ فالقلاع والحارات والأسواق والأفلاج والجبال والبحر والحكايات القديمة يمكن أن تصبح مفاتيح لاقتصاد ينتج تجربة مختلفة وقيمة أعمق وفرصا أكثر اتصالا بالمكان والإنسان. ومن هذا الطريق تستطيع عُمان أن تبني نموذجا حديثا يشبهها، وأن تجعل من تفردها موردا للمستقبل وصيغة عُمانية خاصة للنمو.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان
