من يملك حق الوصاية على الحضارة؟
07 أبريل 2026
07 أبريل 2026
منذ أن تحدثت الولايات المتحدة، عقب هجمات 11 سبتمبر، عن حماية الحضارة في مواجهة البربرية، مرّ ربع قرن قبل أن يصدر من رئيسها كلام يضع حضارة كاملة تحت التهديد بالفناء. هذه المسافة بين الخطابين تكشف تحولا عميقا في تصور القوة لنفسها. فحين تتحدث دولة عظمى كما لو أنها تملك حق التلويح بمصير أمة تاريخية، تكون الحرب قد تجاوزت ميدانها السياسي، ودخلت منطقة الوصاية على الزمن نفسه.
هذا المستوى من الخطاب يُخرج الحرب من سياق الصراع على النفوذ أو الأمن أو توازن الردع، ويحولها إلى ادعاء أشد اتساعا: حق تعريف الآخر، والحكم على أهليته التاريخية، والتلميح إلى أن شعبا كاملا يمكن دفعه إلى طور جديد من وجوده تحت أثر التدمير. هنا تفقد القوة حدودها السياسية المعتادة، وتبدأ في الكلام بلسان يتجاوز الدولة والجيش، إلى ما يشبه التفويض على التاريخ.
إيران في هذا السياق كيان تاريخي أوسع من نظامها السياسي القائم، مهما كان الموقف منه. هي واحدة من الطبقات التاريخية الكبرى في العالم؛ لغة، وذاكرة دولة، وشعر، وخيال ثقافي وعمراني راكمته قرون طويلة، وظل قائما رغم التحولات وتعاقب أنماط الحكم. ومن يتحدث عن هذا الامتداد كما لو أنه قابل للمحو أو التعليق أو إعادة الصياغة من الخارج، يتحدث من موقع إمبراطوري موروث، حتى حين يستعير معجما حديثا.
والحضارة، في معناها الأعمق، هي أكثر من سلطة تحكم أو مؤسسة تسقط أو ترتيب سياسي يتغير. إنها ذلك التراكم البطيء للغة والذاكرة والرموز والأشكال التي يصوغ بها مجتمع ما علاقته بالزمن. ومن هذه الزاوية يبدأ انزلاق خطاب القوة إلى وهمه الأكبر، أن إخضاع الدولة يمنحه حق الكلام على مصير الحضارة. فالدول تُهزم، والأنظمة تتبدل، أما الحضارات فتدخل التاريخ وتخرج منه بإيقاع أكثر تعقيدا من الحساب العسكري.
هذا هو الوهم الذي سقطت فيه القوى الكبرى مرارا، وهم التفويض التاريخي. فالقوة العسكرية تغري أصحابها بالاعتقاد أنهم يفرضون الوقائع ويملكون حق تفسيرها في آن واحد. وفي هذا الخلط بين امتلاك القوة وامتلاك الحق تتجلى إحدى أزمات العالم المعاصر. فالتفوق العسكري ينتج قدرة على الفعل، أما الشرعية فتنبع من مجال آخر، من القانون والاعتراف والمعيار الأخلاقي. وحين تختلط القدرة بالشرعية، تتحول الحرب من أداة في السياسة إلى ادعاء بالوصاية على التاريخ. عند هذه النقطة تصبح القضية قضية حدود: حدود ما تستطيع القوة أن تفعله، وحدود ما يحق لها أن تدعيه.
وفي هذا تكمن خطورة أوسع من الحرب نفسها. لأن الخطاب الذي يطمس الفارق بين الدولة والنظام، وبين المجتمع والسلطة، وبين النزاع السياسي ومصير الحضارات، يفتح بابا هائلا للفوضى. فإذا صار مقبولا أن تتحدث قوة كبرى بهذه اللغة عن شعب آخر، صار الجميع قابلين للتهديد بالمبدأ نفسه. عندئذ لا تبقى القضية قضية إيران وحدها، وإنما قضية العالم الذي يريد البشر أن يعيشوا فيه، عالم تعترف فيه القوة بحدودها، أو عالم تتكلم فيه القوة كما لو أنها أعلى من التاريخ.
في مثل هذه اللحظات، يتحدد المعنى السياسي والأخلاقي للعالم الذي يريد البشر أن يعيشوا فيه. فإما أن تبقى القوة محكومة بحدودها، وإما أن تتحول إلى سلطة تدّعي حق الكلام على مصائر الشعوب والحضارات. والحضارات، في نهاية المطاف، لا يقرر بقاءها السلاح، وإنما ذاكرة الشعوب، واستمرار اللغات، وقدرة البشر على النجاة من أولئك الذين ظنوا، في كل عصر، أنهم أكبر من الزمن.
