No Image
رأي عُمان

لبنان الذاهب نحو الانكسار

04 أبريل 2026
04 أبريل 2026

ما تكشفه أفعال إسرائيل في لبنان يتجاوز بكثير مزاعم الضرورة الأمنية، ويقترب من سياسة منهجية تدفع البلد نحو الخراب والتفكك. وهذه نقطة يجب أن تُقال بوضوح في العالم العربي وأمام المجتمع الدولي. ما يجري على الأرض اللبنانية تجاوز منذ وقت مبكر حدود أي ادعاء يتعلق بملاحقة حزب الله أو شل قدراته. لا تضرب إسرائيل المواقع العسكرية أو البنى القتالية؛ إنها تضرب لبنان: أرضا ومجتمعا ومؤسسات وذاكرة، وإمكانا سياسيا لمستقبل أقل خرابا. 

تقول إسرائيل إنها تريد التخلص من حزب الله. لكن الحروب لا تُقاس بعناوينها المعلنة، بل بما تخلّفه على الأرض. وما تتركه هذه الحرب صادم جدا، يدمر لبنان كما دُمِّر في اجتياح القرن الماضي وكما دمرته الحرب الأهلية، وكل يوم إضافي في هذه الحرب يبعد لبنان سنوات عن الاستقرار واستعادة الدولة. 

البلد يستنزف ويزداد إنهاكا والمجتمع يزداد انقساما والدولة تزداد ضعفا. أما التفاصيل الداخلية فهي أقرب إلى لحظة الانفجار الذي ينتج الفوضى نفسها التي يُقال إن الحرب جاءت لإنهائها. 

لا تعترف إسرائيل بهذه المفارقة، ولا يعترف بها الكثيرون ممن يدعمون توجهها ويبررون سلوكها. إذ تستنزف البلد بشكل غير مسبوق، تضرب بناها التحتية ويهجّر سكانها ويعاد فتح جروحها الطائفية والقومية والاجتماعية من جديد. وهذا يعمق حضور السلاح خارج يد الدولة، ويضعفها كثيرا. الدولة الضعيفة لا ترثها السيادة، بل ترثها الفوضى. 

أما الرهان على أن هذه الحرب يمكن أن تعالج اختلالات لبنان الداخلية، فهو رهان يهدم الدولة بدل أن ينقذها. لبنان بلد شديد التعقيد والحساسية. خرج من حروب طويلة وحمل فوق ذاكرته أثقالا من الدم والاحتلال والانقسام والاغتيال والانهيار. وكان يحتاج إلى سنوات من الترميم السياسي والاقتصادي والاجتماعي حتى يستعيد شيئا من توازنه. لكن إسرائيل، كعادتها، لا ترى في هشاشة الجوار سببا للكفّ، بل فرصة للضغط والكسر وإعادة تشكيل الميدان على هواها. 

ويخطئ كثيرا من يرى في الحرب على لبنان جبهة فرعية في حرب أكبر مع إيران. لبنان ليس هامشا في هذه الحرب، إنه أحد الميادين التي يظهر فيها الوجه الأكثر فجاجة لمنطق القوة الإسرائيلية في تحويل الذريعة الأمنية إلى رخصة مفتوحة للهدم والعبث بمقدرات الشعوب. وتحويل التعقيد الداخلي في البلد الذي تستهدفه إلى مبرر إضافي لتقويضه. وتحويل عجز النظام الدولي إلى غطاء يسمح للجريمة بأن تتمدد ثم تُقدّم لاحقا باعتبارها جزءا من «إدارة الصراع». 

ما ينبغي فهمه هنا أن إسرائيل لا تحارب خصما بعينه فقط، بل تضرب الفكرة التي يقوم عليها أي استقرار عربي ممكن: أن تبقى هناك دولة، ومجتمع، ومركز قرار، ومؤسسات يمكن الرهان عليها. ذلك أن الدول المنهكة أسهل في الإخضاع، والمجتمعات الممزقة أسهل في الاختراق، والبلدان التي تُعاد إلى خوفها الأول أقل قدرة على بناء موقف تاريخي متماسك من عدوها. 

إن أخطر ما في هذه الحرب أنها تحاول جعل الخراب يبدو وكأنه قدر للبنان وهذا ينافي حقائق التاريخ. لبنان بلد له تاريخه وله حضارته التي أنتجها طوال قرون طويلة جدا. ودفع لبنان من أجل الحفاظ على تاريخه ومكتسباته الحضارية الكثير من عمره وذاكرته وأهله أكثر مما ينبغي فلا يجوز أن يترك مرة أخرى ضحية لمنطق يرى في تحطيم المجتمعات الطريق الأقصر إلى فرض الهيمنة. ولذلك لا بد لهذه الحرب أن تتوقف؛ فاستهداف لبنان على هذا النحو اعتداء على فكرة الدولة نفسها. وفي ذلك رسالة لا تتوقف عند حدود بيروت فقط لكنها تتعداها لبقية العواصم العربية. وهذا سلوك لا بد أن يتوقف ويرفض أخلاقيا وسياسيا وتاريخيا، قبل أن يغرق ما تبقى من المنطقة.