عُمان ووحدة المعيار في زمن الحرب
30 مارس 2026
30 مارس 2026
تكشف الحروب أحيانا معادن الدول على نحو لا تفعله سنوات الاستقرار كلها. ففي زمن في لحظة الانفجار، ترتفع أصوات كثيرة، لكن قليلا منها يصدر عن رؤية. وفي لحظات الانفعال، تتسع مساحة الاصطفاف، فيما تضيق مساحة المنطق. ولهذا لا تقاس قيمة المواقف السياسية في لحظات الحرب بحدة اللغة وحدها، ولا بسرعة الإدانة، تقاس بقدرة المواقف على أن تظل متسقة مع نفسها ومبادئها حتى حين تكون في مواجهة البارود والنار وتكون للمواقف كلفة باهظة الثمن.
ووفق هذا المبدأ والمعيار يمكن أن يقرأ أي باحث ومتأمل الموقف العُماني من الحرب على إيران. فلم يكن موقفها مبنيا على هوية الفاعل بقدر ما كان مبنيا على معيار ثابت في النظر إلى الدولة والسيادة والجوار والإقليم.
لهذا بدأت سلطنة عُمان من حيث كان يجب أن تبدأ أي دولة تبصر ما وراء اللحظة ومأساويتها، فكان أن ذهبت نحو منع الحرب نفسها. لم تنتظر وقوعها لكي تكتشف فداحة نتائجها، ولم تتعامل معها بوصفها احتمالا بعيدا أو أزمة يمكن احتواؤها بعد أن تحقق أهدافها الأولى. كانت تعرف أن الحرب على إيران، في هذا التوقيت وفي هذا الإقليم، لن تبقى في حدودها العسكرية إنما ستجر المنطقة نحو مسار من الفوضى والاختلال في كل الموازين. ودفعت عُمان بكل ما تملك من أدوات سياسية وعلاقات موثوقة لإبقاء باب التفاوض مفتوحا بين واشنطن وطهران.
ثم وقعت الحرب. وجاء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ليؤكد أن منطق القوة اختار أن يهدم ما بقي من فرص السياسة. لم تجتهد عُمان في بناء موقفها، كان موقفها قد تحدد سلفا. الدولة التي حذرت من الحرب، وعملت لمنعها، لا يمكن أن تعطي الشرعية لمن بادر إليها. والدولة التي ترى الإقليم شبكة مصالح وممرات وتوازنات ومجتمعات مترابطة، لا تستطيع أن تنظر إلى ضرب إيران كأنه فعل منفصل عن أمن الخليج، وعن أسواق الطاقة، وعن سلاسل الإمداد، وعن الهشاشة الكامنة تحت خرائط الاستقرار الظاهر. لذلك كانت الإدانة العُمانية للحرب امتدادا طبيعيا لرؤية سبقتها، لا استجابة متأخرة لنتائجها.
لكن سرعان ما تمددت الحرب إلى دول الخليج العربي وإلى العراق والأردن. بدا المشهد أكثر تعقيدا وأكثر قابلية لانقسام المواقف ولو في شكلها الشعبي. وفي هذه اللحظة بالذات ظهرت قيمة الموقف العُماني بأوضح صورها. فقد أدانت سلطنة عُمان بأشد العبارات استهداف الدول الخليجية والعربية وبوضوح لا لبس فيه، وأعلنت تضامنها معها، لأن الاعتداء على السيادة لا يتبدل حكمه بتبدل الدول؛ ولأن أمن الجوار ليس هامشا في مفهوم السياسة العُمانية، إنه جزء من تعريفها العميق لمصالحها ولموقعها ولأخلاق الدولة نفسها.
لم تتحدث عُمان بلغتين ولم تقس الشرعية بمكيالين، ولم تسمح للحرب الأولى أن تبرر الحرب الثانية. رفضت العدوان على إيران لأنه عدوان، ورفضت العدوان على دول الخليج والدول العربية للسبب نفسه. وهذا في جوهره أعلى درجات الواقعية السياسية.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال فهم الموقف العُماني من هذه الحرب في سلسلة إدانات متعاقبة. يقرأ موقف سلطنة عُمان بوصفه دفاعا عن فكرة كاملة للنظام الإقليمي تؤكد بشكل واضح أن الأمن لا يُبنى بالهيمنة، ولا بتطبيع العدوان، ولا بتحويل الجوار إلى ساحة رسائل نارية.
كل ما يجري اليوم يؤكد أن عُمان نجحت في قراءة عمق المشهد ولم تبق عند سطحه. كانت ترى أن هذه الحرب، إذا اشتعلت، لن تتوقف عند حدود إيران، بل ستأتي على الاستقرار والاقتصاد والنظام الإقليمي وتوازناته. وما يحدث الآن يثبت أن التحذير العماني المبكر كان بصيرة سياسية. وبنفس البصيرة السياسية وبالمعايير نفسها تبقى سلطنة عُمان وفية لمواقفها الإنسانية والعروبية والدولية ما دامت مبنية على القانون والعدل.. وهذا موقف عُمان الذي لا تتنازل عنه أبدا.
