ما بعد الأيام الخمسة
25 مارس 2026
25 مارس 2026
لا تكفي مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكي تطمئن المنطقة، أو يطمئن العالم، إلا أن العقل بدأ يستعيد مكانه في إدارة هذه الحرب الخطيرة. فالمنطقة التي بلغت هذا القدر من التوتر والارتباك لا يخفف رعبها تأجيل محدود، ولا يعيد إليها التوازن حديث عابر عن محادثات غير مؤكدة، قد تنجح وقد تتعثر. ما يفرض نفسه اليوم، بوضوح كامل، هو الحاجة إلى وقف شامل لإطلاق النار، لأن هذه الحرب تجاوزت منذ وقت مبكر حدود الصدام العسكري المباشر، ودخلت منطقة أشد خطرًا، تتصل بمستقبل النظام الإقليمي كله، وبالطريقة التي ستدار بها علاقات القوة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
هنا يكمن جوهر المسألة. فالحرب على إيران لم تبدُ، وفق الرؤية العُمانية، حربا تستند إلى أساس قانوني أو شرعي يبرر اندلاعها أو يمنحها مشروعية الاستمرار. وحين تُشن الحروب خارج المعايير التي يفترض أن تحكم استخدام القوة بين الدول، فإنها تفتح بابًا واسعًا على الفوضى، وتضع المنطقة أمام سابقة قاسية، يرتفع فيها منطق الغلبة العسكرية فوق منطق القانون. ومن هذه الزاوية، رأت عُمان في هذه الحرب انزلاقا خطيرا إلى نمط من الصراعات يهدد فكرة الاستقرار ذاتها، ويقوض ما بقي من إمكانات الضبط السياسي للأزمات.
ولأن سلطنة عُمان قرأت الحرب من هذا المنظور، فقد رأت أيضًا أن معناها لا ينحصر في الملف النووي، ولا في عناوين الردع والتفوق العسكري، بل يمتد إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي على نحو يجعل إسرائيل الصوت الأقوى فيه، والقوة الأكثر حرية في فرض إرادتها، من دون وجود منافس إقليمي قادر على كبحها أو موازنة اندفاعها. فالقضية تتجاوز تدمير منشآت أو اغتيال قيادات. القضية تتصل بالشكل الذي يراد أن يُبنى عليه الشرق الأوسط تحت هذا الدخان الكثيف. وإسرائيل، منذ سنوات، تتحدث عن شرق أوسط يقوم على القيادة الأحادية واختلال موازين القوة. ومثل هذا الشرق الأوسط لا يحمل في داخله مقومات الاستقرار، بل يؤسس لانفجارات مؤجلة، أشد قسوة وأوسع أثرا.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف المبدئي من الحرب لا يخفف شيئًا من وضوح موقف سلطنة عُمان من الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية. فاستهداف هذه الدول، أو تعريض أمنها واستقرارها للخطر، يظل فعلا مدانا ومرفوضا بالقدر نفسه. فلا يجوز أن يتحول الخليج إلى ساحة تدفع ثمن حرب لم يخترها، ولا أن يصبح أمن دوله واستقرارها ورقة ضغط في معادلات الرد والرد المضاد. وكل تمدد للحرب نحو هذه الدول يعني انتقال الأزمة من حدود النزاع إلى لحظة تهدد البنية الحيوية للإقليم كله: من الطاقة إلى المياه، ومن التجارة إلى الأمن الاجتماعي اليومي.
إن استمرار الحرب بهذا الشكل يضع دول الخليج العربي أمام أخطار مباشرة تمس منشآت الطاقة، والممرات البحرية، ومحطات التحلية، والبنى المدنية الحساسة. ويضع العراق مرة أخرى في مواجهة شبح الانكشاف على صراعات الآخرين، بكل ما يحمله ذلك من تنشيط للفواعل المسلحة وإضعاف للدولة. ويضع الأردن أمام ضغوط أمنية واقتصادية متعاظمة في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة. ثم إن المسألة لا تقف عند حدود الإقليم. فالعالم كله يلتقط ارتدادات هذه الحرب في أسواق الطاقة، وفي كلفة التأمين والشحن، وفي القلق الذي يمر عبر الاقتصاد الدولي كلما اقتربت النار من مضيق هرمز. لهذا، لا يمكن النظر إلى مهلة الأيام الخمسة بوصفها حلًا. أقصى ما يمكن أن تمنحه هو نافذة ضيقة أمام السياسة قبل أن تنغلق مجددًا. أما إذا انتهت هذه المهلة لتعود بعدها المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد، فلن تكون أكثر من فاصلة قصيرة في نص طويل من الخراب. بل إن الخشية تظل قائمة من أن تتحول هذه المهلة إلى وقت مستقطع يعاد خلاله ترتيب أدوات الحرب وتوسيع حضورها العسكري في الإقليم.
ما تحتاجه هذه اللحظة ليس تأجيل الخطر، بل إيقافه. تحتاج إلى وقف كامل لإطلاق النار، وإلى عودة الجميع إلى طاولة المفاوضات، وإلى موقف إقليمي واضح يرفض إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، كما يرفض توسيع دائرة الردود على نحو يدفع جوار الحرب إلى أتونها. ذلك هو الطريق الذي ينسجم مع القانون، ويحمي أمن المنطقة، ويمنح الشرق الأوسط فرصة نادرة كي لا يدخل حقبة أشد ظلمة واضطرابا.
