No Image
رأي عُمان

عالم يبحث عن نظامه

18 يوليو 2026
18 يوليو 2026

يصعب اليوم توقع مسار أي أزمة كبرى في العالم أو ردود الفعل التي قد تستدعيها؛ فالعالم يتابع الحروب لحظة بلحظة ويرى آثارها في الدول وحياة الناس لكنه يظل عاجزا عن معرفة ما قد يحمله اليوم التالي.

هذه هي العلامة الأوضح على أن العالم يعيش بين نظام فقد قدرته على الضبط وآخر لم تتشكل قواعده بعد. توجد الأمم المتحدة، وتنعقد اجتماعات مجلس الأمن وتصدر القرارات والبيانات وتبقى المعاهدات في ملفات وزارات الخارجية، لكن القواعد فقدت قدرتها على ضبط سلوك الدول. وتفسر كل قوة القانون وفق حاجتها وتوجهاتها، فتستدعيه حين يخدم موقفها وتتجاوزه حين يقيّد حركتها. وقد أصبح تعطيل مجلس الأمن، بفعل الانقسام واستخدام حق النقض، جزءا من أزمة النظام نفسه، إذ تبقى الالتزامات القانونية قائمة فيما تغيب الإرادة السياسية لإنفاذها.

كان النظام الذي حكم العلاقات الدولية خلال العقود الماضية مليئا بالظلم وازدواجية المعايير، لكنه منح الدول قدرا من القدرة على الحساب وتقدير المسارات التي قد تعقب النزاعات. وكانت التحالفات معروفة والمحظورات أوضح وكلفة تجاوز الحدود قابلة للتقدير، أما اليوم، فقد أصبح القرار الشخصي للزعيم أسرع من المؤسسة وأصبحت التفاهمات قابلة للنقض بتصريح واحد فيما تتبدل مواقف القوى الكبرى من قضية إلى أخرى بلا معيار ثابت.

في أوكرانيا يُستدعى مبدأ السيادة وحرمة الحدود، وفي غزة تتراجع القاعدة نفسها أمام حسابات القوة والحماية السياسية، وفي الخليج تدفع المجتمعات من أمنها ومياهها وطاقتها وحركة تجارتها كلفة الحرب الأمريكية على إيران. وهكذا يفقد القانون هيبته حين يختلف تطبيقه باختلاف هوية الضحية أو الحليف.

ويمتد الاضطراب إلى التجارة العالمية التي تدخل مرحلة من الرسوم والتحالفات الانتقائية وتقليل الاعتماد المتبادل. وتتوقع منظمة التجارة العالمية تباطؤ نمو تجارة السلع في 2026، وتحذر منذ فترة من أن انقسام الاقتصاد إلى كتل جيوسياسية سيحمّل الدول الأضعف الكلفة الأكبر. ومع كل أزمة جديدة تعود الدول إلى بناء مخزوناتها وحماية أسواقها وتأمين طرقها منفردة، فيزداد العالم انغلاقا وتضعف القواعد المشتركة التي يحتاج إليها للخروج من أزماته.

تستطيع الدول الكبرى أن تعيش فترة أطول داخل هذا المشهد المضطرب فلديها جيوش كبيرة وقدرات اقتصادية وأسواق قادرة على امتصاص الصدمات، أما الدول الصغيرة والمتوسطة فتحتاج إلى قواعد واضحة كي تحمي سيادتها وتجارتها وخياراتها الوطنية. بالنسبة إليها، القانون الدولي جزء من أمنها المباشر وحرية الملاحة ـ كما في الخليج ـ شرط لاستقرار اقتصاداتها ونماذجها التنموية.

ولا تخدم هذه المرحلة أحدا بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، التي تبدد جزءا متزايدا من رصيدها في الثقة والقدرة على القيادة، فالقوة التي تتجاوز القواعد التي أسهمت في وضعها قد تحقق مكاسب عاجلة لكنها تضعف النظام الذي منح نفوذها قبولا يتجاوز حدود القوة العسكرية.

وإذا كانت الدول الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر حاجة إلى القواعد فإن دول الخليج تقف اليوم في قلب هذا الاختبار، فالحرب الجارية قد تدفعها إلى مزيد من التماسك وبناء قدرتها على حماية أمنها ومصالحها، وقد تخرج منها وقد خسرت جانبا من عناصر قوتها بما في ذلك استقرار نموذجها الاقتصادي وثقة المستثمرين العالميين بها.

ولا يمكن مواجهة هذه المرحلة من دون رؤية خليجية مشتركة لأمن المنطقة تحمي الممرات والمنشآت الحيوية وتمنع تحويل دولها إلى ساحات لحروب الآخرين وتمنحها دورا حقيقيا في صياغة النظام الذي يتشكل حولها.

يحتاج العالم اليوم إلى أكثر من وقف الحروب الدائرة فيه، يحتاج إلى قواعد تضبط هذا الانتقال بين نظام يتداعى وآخر لم تتحدد ملامحه بعد. ففي المسافة بينهما تتفكك دول وتُستنزف مجتمعات وتضيع موارد كان يمكن أن تمنح أجيالا كاملة فرصة أفضل للحياة. وسيعثر العالم على نظامه عندما تصبح القواعد معروفة مسبقا وملزمة للجميع وقادرة على تقييد القوة قبل أن تتحول إلى القانون الوحيد.