أزمة إيران واللغة التي يفتقدها العالم
23 مايو 2026
23 مايو 2026
تكشف الأزمة الإيرانية الراهنة أن الخطر في المنطقة يتجاوز احتمال عودة الحرب مرة أخرى. الخطر الأعمق يكمن في أن الأطراف المعنية، والقوى الكبرى التي تراقب أو تتدخل، لم تعد تقرأ الأزمة باللغة نفسها. كل طرف يرى المشهد من زاوية خوفه ومصلحته وحسابه الخاص. ولهذا تبدو الدبلوماسية اليوم مطالبة بما هو أكثر من وقف إطلاق النار، عليها أن تصنع لغة سياسية مشتركة تستطيع أن تجمع هذه المخاوف المتفرقة في إطار واحد.
تقرأ الولايات المتحدة الأزمة بوصفها اختبارا لقدرتها على الضغط والردع؛ فهي تريد منع إيران من توسيع برنامجها النووي، وضمان أمن إسرائيل والحفاظ على حرية الملاحة في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي. لكنها، في الوقت نفسه، تواجه سؤالا صعبا، إلى أي مدى تستطيع القوة العسكرية أن تحقق هدفا سياسيا؟ لقد أثبتت التجارب المتكررة أن الضربات قد تغير الوقائع الميدانية مؤقتا لكنها لا تكفي وحدها لصناعة استقرار دائم.
أما إيران فتقرأ الأزمة من زاوية السيادة والبقاء. ترى طهران أن أي تسوية لا تراعي كرامتها السياسية ومخاوفها الأمنية ستتحول إلى صيغة ضغط جديدة. لذلك تفاوض وهي ترفع لغة الردع، وتقبل بالمسار الدبلوماسي وهي تحرص على أن تبدو قادرة على الرد. هذه الازدواجية تشرح طبيعة الحسابات التي تحكم المواقف الإيرانية.
وتقرأ الصين الأزمة من زاوية مختلفة، ما يقلق بكين هو أمن الطاقة وسلامة خطوط التجارة؛ فمضيق هرمز، بالنسبة إليها، شريان أساسي من شرايين الاقتصاد العالمي، وكل اضطراب فيه ينعكس على المصانع والأسواق وسلاسل الإمداد.. لذلك تنظر الصين إلى الأزمة بوصفها تهديدا لاستقرار النظام التجاري الذي تستفيد منه وتراهن عليه.
أما الهند فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا. الهند لها علاقات مع الولايات المتحدة ومع إيران ومع دول الخليج ومع إسرائيل، وهي لا تريد أن تخسر أيا من هذه الدوائر. لذلك تقرأ الأزمة بوصفها اختبارا لقدرة القوى الصاعدة على حماية مصالحها وسط عالم شديد الاستقطاب. ما يهم نيودلهي هو تجنب أن تتحول الحرب إلى عبء على تجارتها وطاقتها وموقعها الدولي.
وتبدو أوروبا في موقع بالغ الحساسية، فهي تتأثر بتداعيات الأزمة في الطاقة والهجرة والأمن النووي، لكنها لا تملك التأثير نفسه الذي كانت تطمح إليه في صناعة القرار. وهذا يكشف جانبا آخر من الأزمة؛ فالقوى التي تتضرر من الحروب لا تملك دائما القدرة على منعها أو توجيه مسارها.
أما دول الخليج فإن الجغرافيا تضعها في قلب كل الاحتمالات. وهي أكثر المتضررين من هذه الحرب، ومع ذلك، فإن جانبا واسعا من المفاوضات التي تجري حول أمنه لا تجري بمشاركته الكاملة. قد تُستشار دوله أو تُشرك في بعض المسارات غير أن مصالحها المباشرة تحتاج إلى حضور أوضح في أي ترتيب مقبل.
إن أي تقدم في المفاوضات بين واشنطن وبين طهران سيبقى محدود القيمة إذا لم يعالج اختلاف اللغات السياسية التي تحكم مواقف الأطراف؛ فالأزمة تجمع الملف النووي، والحساب العسكري، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، ومخاوف السيادة، في لحظة واحدة. وأي محاولة لعزل ملف عن الآخر قد تمنح تهدئة مؤقتة، لكنها لا تبني استقرارًا قابلًا للبقاء.
والمطلوب ليس اتفاقا يربح فيه طرف ويخسر آخر، المطلوب مسار يعترف بالمخاوف المتبادلة، ويضعها في صيغة قابلة للإدارة. تحتاج إيران إلى ضمانات تحفظ سيادتها، وتحتاج دول الخليج إلى أمن واضح لا يتغير مع كل جولة تصعيد. أما العالم فيحتاج إلى ممرات مفتوحة لا تستخدم كورقة ضغط. هذه هي المهمة الصعبة للدبلوماسية اليوم، قيمتها تكمن في تحويل الخوف إلى لغة تفاوض.
تختبر هذه اللحظة الصعبة التي تمر بها المنطقة قدرة العالم على إدارة خوفه المشترك. وإذا كان لكل طرف قاموسه الخاص، فإن مهمة الدبلوماسية أن تصنع قاموسا أوسع، قاموسا يعترف بالسيادة ويصون الأمن ويحمي التجارة ويمنع أن يتحول سوء الفهم إلى حرب جديدة.
والعالم لا تنقصه التحذيرات، ما ينقصه هو القدرة على ترجمة هذه التحذيرات إلى سياسة.
