No Image
رأي عُمان

حين يمنح الوثائقي التاريخ حياة ثانية

20 مايو 2026
20 مايو 2026

تملك الأمم ذاكرتها كما تملك أراضيها، غير أن الذاكرة ـ بخلاف الأرض ـ يمكن أن تتآكل بصمت إن تُركت بلا تدوين وبلا رواية وبلا صورة تحفظ ملامح الذين مروا في حياة الناس وتركوا أثرا لا تستطيع السجلات الرسمية أن تحفظه وحدها، لذلك تكتسب الأفلام الوثائقية والسينمائية التي تستعيد الحوادث التاريخية والشخصيات المؤثرة، أهمية تتجاوز البعد الفني إلى معنى أوسع يتصل بوعي المجتمع بذاته، وبقدرته على فهم الطريق الذي قطعه قبل أن يصل إلى صورته الراهنة.

وحين تحول الأفلام الوثائقية شخصية حاضرة في الذاكرة الجمعية إلى فيلم وثائقي فإنها تنتقل من فكرة الحكايات المتفرقة إلى فضاء الوعي العام. والكثير من الشخصيات التي صنعت أثرا في حياة الناس بقيت في الذاكرة الشفوية، يرويها الآباء للأبناء وتستعيدها المجالس. لكن الذاكرة الشفوية، على ثرائها وصدقها الإنساني، معرضة للضياع مع رحيل أصحابها، وتحويل الذاكرة إلى أفلام وثائقية يمنحها مستوى جديدا من مستويات الحفظ والتوثيق، ويمنحها صوتا وصورة وسياقا ويجعلها قابلة للانتقال الآمن من جيل إلى آخر لم يعش التجربة.

وهذا النوع من الجهد أكثر أهمية في المجتمعات التي شهدت تحولات سريعة خلال عقود قليلة. وعُمان، في هذا السياق، تملك تجربة تاريخية شديدة الكثافة؛ فالمسافة بين زمن ما قبل المؤسسة الحديثة وزمن الدولة المعاصرة ليست بعيدة جدا في السياق الزمني، لكنها عميقة جدا في معنى التحول الإنساني والاجتماعي الأمر الذي يجعل هذه المنطقة خصبة جدا ومثيرة ومدهشة في الوقت نفسه.

لذا كان الفيلم الوثائقي «الدختر طومس» الذي دشنته وزارة الإعلام أمس عن الطبيب الأمريكي ويلز طومس والذي عمل في عُمان بين عامي 1939 و1970 يحمل قيمة رمزية كبيرة؛ فسيرة الدكتور ويلز طومس التي جسدها الفيلم لا تخص الطبيب وحده، ولا قطاع الصحة وحدها؛ لقد فتح الفيلم نافذة تاريخية واجتماعية إضافة إلى النوافذ الفنية والثقافية. ووضع الفيلم الكثير من الأحداث المرتبطة بتلك المرحلة في سياقها التاريخي والمعرفي. وعندما احتفى الفيلم بالطبيب احتفى به ضمن السياق التاريخي للمجتمع العماني وما شهده من تحولات اجتماعية وتحديثية. وقدم قراءة في مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع من خلال أثر إنساني مباشر بقي في وجدانهم.

ثمة أمر آخر مهم يستحق الإشادة وهو الدور التنويري الذي تقوم به وزارة الإعلام والذي يتجاوز فكرة نقل الأخبار وإدارة الرسالة العامة للدولة. تقوم الوزارة بدور بناء الأرشيف الرمزي للمجتمع، وإنقاذ ذاكرته من الضياع والنسيان. تختار من الذاكرة ما يستحق أن يبقى وتمنحه صيغة مهنية قادرة على العبور من جيل إلى جيل. وإنتاج مثل هذه الأفلام الوثائقية المتخصصة والمهنية يؤكد دور الوزارة في حفظ الذاكرة وترتيب العلاقة بين العماني وتاريخه وتوسيع معنى الوطنية ليشمل حياة الناس وتجاربهم اليومية، سواء تجارب النجاح أو تجارب المعاناة والشقاء.

والمؤكد أن الأمم لم تصنع صورتها في العالم بالسياسة والاقتصاد، صنعتها أيضا بالأفلام والوثائقيات والمتاحف والأرشيفات وبالقدرة على تحويل التاريخ إلى مادة حية تلامس الإنسان. والاستثمار في هذه النوعية من الأفلام جزء أساسي من القوة الناعمة في أي دولة خاصة عندما تأتي عبر السياق الإنساني الذي يلامس أحاسيس الكثيرين بما يقدمه من صدق وشهادات وأرشيف حقيقي وقدرة على السرد الذي يربط الخاص بالعام. مطرح التي قدمها الوثائقي باعتبارها ولاية صغيرة خالية من أي مؤسسات صحية وسبل الحياة الحديثة في تلك المرحلة تحولت إلى مرآة صادقة للتحولات التي شهدتها عُمان في العقود الخمسة الماضية وهذا البعد يستطيع إعطاء الفيلم بعدا عالميا عندما يعرض الفيلم خارج عمان.

ولعل نجاح هذا الفيلم يؤسس لمشروع وطني أكبر يعمل على توثيق التاريخ العماني والذاكرة العمانية بصريا عبر السينما وغيرها من الفنون البصرية. ويمكن أن ينطلق من الشخصيات التي صنعت أثرا في حياة الناس ومن الحوادث التي شكلت الوعي والأمكنة التي تختزن حكايات لم تُروَ بعد.

وإذا كان الفيلم الوثائقي في جوهره فعل إنقاذ؛ إنقاذ الزمن من النسيان والإنسان من الغياب والمجتمع من فقدان صلته العميقة بما كان عليه، فإن فيلم «الدختر طومس» فتح نافذة جديدة في الذاكرة العمانية وأعاد إلى التاريخ حقه في الكلام بالصوت والصورة.