عُمان.. السلام موقف والسيادة حد
12 يوليو 2026
12 يوليو 2026
لم تغيّر الطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع في محافظتي مسندم والوسطى السياسة العُمانية، لكنها كشفت بوضوح الحد الذي لا تسمح هذه السياسة بتجاوزه. فعُمان التي أبقت أبوابها مفتوحة للحوار في أحلك مراحل الحرب ووظفت دبلوماسيتها لتقريب وجهات النظر بين الخصوم وكبح جماح التوترات استدعت السفير الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، ووصفت ما جرى بأنه عمل غير مسؤول يمس سيادة الدولة وقواعد حسن الجوار.
ما زالت ثوابت السياسة العمانية راسخة كما عرفتها المنطقة عبر عقود من الأزمات، ثوابت تحترم سيادة الدول وخياراتها الوطنية وتنظر للحوار باعتباره خيارا استراتيجيا لكنها في الوقت نفسه تنظر لسيادة الدولة وصون أمنها واستقرارها والدفاع عنها مبدأ أساسيا لا يمكن التهاون فيه أبدا. وحين تتعرض سلامة المواطنين أو مقدرات الوطن للخطر، يصبح الوضوح نفسه جزءا من مسؤولية السلام.
حافظت سلطنة عُمان طوال هذه الحرب على موقف صعب رغم الاستقطاب الذي شهدته المنطقة لكن موقفها ظل شديد الاتساق مع المبادئ التي تتمسك بها فيما يخص أمنها وأمن جيرانها. أدانت العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران منذ اليوم الأول، ورأت فيها انتهاكا صريحا للقانون الدولي ودفعا للمنطقة نحو صراع أوسع. وفي الوقت نفسه رفضت الهجمات الإيرانية على دول الخليج والدول العربية وعدتها اعتداءات غير مقبولة. وكان المعيار في الموقفين واحدا، فلا يحق لأي دولة أن تجعل من أراضي جيرانها امتدادا لحربها، ولا يمكن لأي ذريعة أن تبرر تعريض المدنيين للخطر أو تهديد أمن الدول المجاورة.
وأكدت عُمان في خطابها السياسي أن الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على إيران كان منطلق التصعيد الراهن، وأن وقفه يمثل العتبة الأولى لكسر دوامة الحرب ومنع امتدادها. فقد بدأ التصعيد الكبير من هناك واستمراره يفتح الباب أمام ردود تتسع في كل مرة وتفقد معها المنطقة قدرتها على ضبط مسار الأحداث. لكن فهم جذور الحرب لا يعفي إيران من مسؤولية خياراتها. من حق الدولة التي تعرضت للاعتداء أن تدافع عن نفسها ضمن القانون الدولي، لكن لا يحق لها نقل تبعات دفاعها إلى الدول المجاورة، خصوصا حين يكون هذا الجوار قد بذل جهدا سياسيا كبيرا لمنع الحرب وحماية فرص التسوية.
ويكتسب الاعتداء دلالة أكثر خطورة لأنه جاء غداة مباحثات عُمانية إيرانية في مسقط حول سلامة الملاحة وحريتها في مضيق هرمز. وكانت الدولتان قد اتفقتا في نهاية المباحثات على مواصلة الحوار السياسي والفني بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة، وفق القانون الدولي والمعايير الدولية.
وإذا كانت إيران ترى أن الحرب فتحت الباب أمام ترتيبات جديدة في مضيق هرمز، فإن أي نظام قابل للاستمرار لا يمكن أن يتشكل من دون توافق عُماني إيراني، وفي إطار يحترم القانون الدولي ويضمن حرية الملاحة ويمنع تحويل المضيق إلى بؤرة دائمة للصراع. وأي ترتيب جديد للمضيق لا يمكن أن يولد تحت تهديد الطائرات المسيّرة، ولا سيما في العلاقة مع جار تاريخي ودولة اضطلعت بدور أساسي في إبقاء مسارات الحوار مفتوحة.
لقد دفعت المنطقة كلفة ثقيلة خلال الأشهر الماضية، تعطلت الملاحة وارتفعت المخاطر واهتزت الثقة التي قامت عليها حركة التجارة والاستثمار، وكل جولة جديدة في هذه الحرب توسع مساحة الخسارة وتضيق معها فرص العودة السريعة إلى ما كان قائما قبل الحرب، لهذا صار الوصول إلى تفاهمات تحفظ حقوق الجميع ضرورة تتجاوز مطلب وقف إطلاق النار.
وعندما تتوقف الحرب بشكل كامل، ستبدأ رحلة طويلة لفهم ما حدث ومراجعة الفرضيات التي قامت عليها سياسات المنطقة، تراجع فيها الدول الخليجية نماذجها الأمنية التي اعتمدت طويلا على مظلة ردع خارجية كشفت الحرب حدودها، كما ستراجع نماذجها الاقتصادية التي افترضت استقرار الممرات البحرية والقدرة على احتواء النزاعات قبل وصولها إلى البنى الأساسية وحركة التجارة. وستحتاج دول الخليج إلى توسيع البدائل اللوجستية وحماية البنية الأساسية وبناء تصور أكثر تماسكا للأمن الإقليمي.
قد تنتج الحرب نظاما جديدا في مضيق هرمز، وربما تترك وراءها توازنات إقليمية مختلفة عما عرفته المنطقة قبلها، لكن شكل هذا النظام سيتحدد بالطريقة التي تنتهي بها الحرب: تفاهم تشارك فيه الدول المعنية ويحكمه القانون، أو واقع هش تفرضه القوة وتظل قابليته للانفجار قائمة.
في هذه اللحظة، تقول عُمان ما قالته دائما، ولكن بوضوح تفرضه خطورة الاعتداء: ترفض الحرب على إيران، وترفض بالوضوح نفسه أي اعتداء إيراني على أراضيها أو على أراضي جيرانها. وتواصل دعوتها إلى الحوار وهي تحمي سيادتها وسلامة مواطنيها ومقدراتها. فالسلام يكتسب قوته من احترام الحدود وحقوق الدول، ومن يراهن على صبر الدول الحريصة على التهدئة يمهّد لأزمة جديدة بدل أن يؤسس لأمن إقليمي مستدام.
