هرمز ولحظة الدبلوماسية الأخيرة
وصلت مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي إلى منعطف خطير عندما صرح أمس الرئيس الأمريكي ترامب أنها «انتهت» في أعقاب الأحداث الأخيرة في مضيق هرمز وتداعياتها خلال اليومين الماضيين.
أنتجت مذكرة التفاهم هدنة يمكن أن تؤسس لاتفاق سلام دائم بين الجانبين لكن مشكلتها أنها بنيت فوق أرض من عدم الثقة، فلا إيران تستطيع الوثوق بأمريكا ولا أمريكا تستطيع الوثوق بإيران ولذلك لم تستطع المنطقة النظر للمذكرة من زاوية الثقة في ثباتها، بقي الجميع ينظر للهدنة الناتجة عنها بكثير من الشك.
رغم ذلك حققت المذكرة وما نتج عنها الكثير من المكاسب أهمها مكسب عودة الملاحة ولو بشكل جزئي في مضيق هرمز، والتخلي اليوم عن تلك المكاسب سيتجاوز الفشل الدبلوماسي إلى الخطأ الاستراتيجي الذي ستنعكس تداعياته على الجميع. وإذا عادت المنطقة إلى الحرب المفتوحة فستكون حربا أكثر قسوة مما سبقها لأن أطرافها اختبروا الحرب واختبروا الهدنة وعرف كل منهما حدود قوة الآخر. وإذا اندلعت الحرب الثانية ستكون أقل قابلية للاحتواء من الأولى، لأنها ستأتي بعد فقدان الثقة في المسار الذي كان يفترض أن يمنعها.
لكن الحرب الثانية إن عادت، ستعود على المنطقة كلها وسيواجه الخليج تداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بشكل أوسع مما حدث في الحرب الأولى، وهذا أخطر ما يمكن تصوره للحرب عندما تستنزف ميزانيات الخليج وتوقف توسع اقتصاده وتفقده الكثير من الثقة.
ولذلك من مصلحة المنطقة والخليج بشكل خاص العمل على وقف أي دفع نحو العودة للحرب، وتحويل مضيق هرمز إلى عقدة لا يعني التسليم بأن هذا السبب كاف لإسقاط مذكرة التفاهم والعودة للحرب. النظرة الاستراتيجية تقول إن العكس ما يجب أن يحدث، فإذا كان العبور في المضيق هو المسألة الأكثر حساسية فيجب أن يكون المدخل إلى إنقاذ التفاهم لا ذريعته للانهيار. وتقول تجارب التاريخ إن الممرات الحساسة مثل مضيق هرمز لا تستقر بفرض القوة وحدها ولا يمكن أن تدار بمنطق الإذعان، يحتاج استقرارها إلى ترتيبات دقيقة توازن بين حق الدول في الأمن والسيادة وحق العالم في عبور آمن ومستقر. لا يمكن لأي دولة مطلة أن تتجاهل أمنها كما لا يمكن لأي قوة كبرى أن تختزل المضيق في حرية عبور منفصلة عن هواجس الجغرافيا المحلية.
ومن مصلحة الجميع في المنطقة والعالم أن ينتقل النقاش الآن حول مضيق هرمز من مستوى الاتهام ومحاولة فرض القوة إلى مستوى تربط فيه الهندسة السياسية بالهندسة الاقتصادية، ويمكن أن يحدث ذلك عبر بحث المسارات وقواعد السلامة وآليات الإخطار وخدمات الإنقاذ والتنسيق البحري وضمانات عدم استهداف السفن وبحث الترتيبات الفنية المرتبطة بالخدمات الفعلية على أن يحدث كل ذلك في إطار القانون الدولي لضمان ألا يتحول المضيق إلى أداة ابتزاز وألا تتحول حرية الملاحة إلى غطاء لتجاهل أمن الدول المطلة وسيادتها على مياهها الإقليمية.
وتستطيع الدبلوماسية العمل في هذه المساحة قبل فوات الأوان، ولذلك فإن المنطقة مطالبة في هذه اللحظة الحساسة بجهد سياسي منظم يعيد تثبيت المذكرة حول مصالح عملية: وقف التصعيد وحماية الملاحة وإبقاء الحوافز الاقتصادية التي تجعل التفاوض ممكنا وإنشاء آلية خاصة بهرمز تشارك فيها الدول المعنية والمنظمات البحرية المختصة وتستند إلى قواعد دولية لا إلى موازين القوة وحدها.
القلق الذي عاد أمس للمنطقة إثر التهديد بعودة الحرب لا بد أن يتحول إلى حراك دبلوماسي عاقل ورزين يقرأ المشهد من كل زواياه، ويضع جميع السيناريوهات وتداعياتها أمامه. ومرة أخرى، قد لا تكون هذه المذكرة كافية لصناعة سلام طويل ومقنع في المنطقة لكنها ما زالت كافية لمنع خطأ كبير، وفي لحظات كهذه يكون منع الخطأ هو السياسة التي يحتاجها الجميع ليحافظوا على أمنهم وسلامتهم.
