اليمن الباحث عن مستقبل ممكن
04 يوليو 2026
04 يوليو 2026
أعادت أحداث الأيام الماضية في صنعاء وما حولها اليمن إلى مركز السؤال الإقليمي بعد أن كاد يغيب وسط ما شهدته المنطقة من حروب وتحولات كبرى، فذكّرت الجميع أن أزمة اليمن لم تنته. لقد هدأت بعض الجبهات المشتعلة في المنطقة، وانشغل العالم بمسار الهدنة بين أمريكا وإيران وبمفاوضات لبنان وإسرائيل، لكن اليمن ظل واقفا في تلك المنطقة الخطرة بين الهدنة والسلام، فلا حرب شاملة تحسم، ولا تسوية قائمة قادرة على صناعة دولة يتوق لها اليمنيون ويتمناها جيرانهم.
ما جرى حول مطار صنعاء كان تذكيرا بأن كل ملف مؤجل في اليمن قابل لأن يتحول في لحظة إلى مدخل جديد للتصعيد، وملفات اليمن المؤجلة كثيرة جدا لا تبدأ بالمطارات والموانئ والرواتب، ولا تنتهي عند الجبهات والبحر الأحمر وعلاقة الداخل اليمني بالحسابات الإقليمية. وإذا بقيت هذه الملفات معلقة دون حل سياسي فستبقى مرشحة للتفاعل مع أي شرارة داخلية أو خارجية.
تستحق التهدئة الحالية للحماية؛ لأنها السقالة الوحيدة التي يمكن أن يُبنى عليها أي مشروع دولة أو خطوات مستقبل وحمايتها في هذه اللحظة الحرجة هي الفعل الأول في ذلك المشروع، وأول اختبار لجديّة أصحابه.
وهذه اللحظة هي التي ينبغي أن يُعاد فيها التفكير في اليمن خارج لغة إدارة الأزمة؛ فقد أثبتت السنوات الماضية أن تخفيض التصعيد ممكن، وأن القنوات الهادئة قادرة على منع الانزلاق الكبير، وأن مسقط وغيرها من العواصم التي اختارت الدبلوماسية تستطيع أن تبقي باب الحل مفتوحا، لكن إبقاء الباب مفتوحا لا يكفي إذا ظل الداخل اليمني بلا إطار سياسي جامع. يحتاج اليمن -على نحو عاجل- إلى مشروع سياسي دائم يعيد لليمن فكرة الدولة والمؤسسات والتنمية والمستقبل.
ويعرف الجميع دول الجوار والإقليم أن مشكلة اليمن الأساسية أعمق بكثير من صراع بين مكونات داخلية؛ فهي في الحقيقة أزمة دولة تفككت مؤسساتها واقتصاد فقد قدرته على الإنتاج، ومجتمع أُنهك بين الجوع والنزوح وانقطاع الرواتب، وتعدد مراكز القوة. وحين تضيع الدولة تضيع معها كل مكوناتها.
ومع ذلك فإن الحديث عن أن اليمن تحول إلى عبء على المنطقة ظلم للحقيقة ولليمنيين معا؛ فهذا بلد عظيم في التاريخ، ويملك ما يكفي ليكون دولة مستقرة وقادرة على إعمار نفسها إذا عادت له فكرة الدولة، وأعيدت للدولة مؤسساتها. يملك اليمن موقعا جغرافيا استثنائيا وموانئ على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وسواحل ممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وثروة سمكية قابلة لأن تكون اقتصادا حقيقيا، وأرضا زراعية عرفت القهوة والفواكه قبل أن تعرف الحرب، وتاريخا وتراثا ومنجزا حضاريا وثقافيا قادرا في زمن السلام أن يجعل اليمن وجهة ثقافية وسياحية عالمية.
لكن هذه الإمكانات لا تتحول وحدها إلى مستقبل؛ فالموقع الاستراتيجي قد يكون نعمة أو لعنة، والموانئ قد تكون بوابات تجارة أو نقاط اشتباك، والتراث قد يكون مصدر دخل أو شاهدا على الخراب.. الفارق في كل ذلك تصنعه الدولة حينما تقرر ماذا تريد لشعبها ولمستقبلها.
من مصلحة كل جيران اليمن ومن مصلح الإقليم ألا يبقى اليمن ساحة مفتوحة لطموحات الداخل والخارج، واستقراره يعني الجميع خاصة وأنه يشرف على مضيق باب المندب.
ما حدث في اليمن خلال الأيام الماضية من شأنه أن يقرع جرس إنذار، وعلى الإقليم أن يختار دلالته إن كانت دلالة لحرب عائدة أم لسلام ينتظره اليمنيون بعد أن أعيتهم الحرب، وأنهكهم خرابها الذي فكك كيان الدولة التي تجمع الجميع تحت سمائها وفي نسيج مؤسساتها. ويستحق الشعب اليمني الأصيل أن ينعم بمقدرات وطنه، ويوظف تاريخه وتراثه وثقافته لتكون جميعها داعمة لمسار مفتوح نحو مستقبل ممكن بدلا من مستقبل مستحيل.
