No Image
رأي عُمان

المنطقة عند مفترق الطرق

10 فبراير 2026
10 فبراير 2026

يرقب العالم هذه الأيام الحشد الضخم الذي تحشده الولايات المتحدة ضد إيران، وتهديدها باستهداف منشآتها النووية والصاروخية.. والأكثر من ذلك التلميحات الأمريكية باستهداف النظام الحاكم بغية «إسقاطه» وإقامة نظام حكم جديد! وهذا الأخير يكشف مستوى اللحظة التي وصلت لها القواعد التي تدير العالم وتنظمه. وهي لحظة باتت مكشوفة للجميع إلى حد لم تعد فيه حاجة للتورية السياسية أو المبررات الأمنية.

لكن العالم لا يراقب إيران وما يمكن أن يحدث فيها لتكون نقطة التحول الكبرى للنظام العالمي كالتي أعقبت سقوط جدار برلين مطلع تسعينيات القرن الماضي، إنما من زاوية المتغيرات العسكرية والأمنية والاقتصادية وقواعد الاشتباك والتحالفات العسكرية التي ستفرضها أي حرب على إيران تهدف إلى إسقاط النظام أو المساس ببنية الدولة أو عقيدة الردع فيها. وهذه التداعيات مجتمعة هي التي تكبح جماح التهور الأمريكي حتى الآن على الأقل.

لكن العالم الذي جُبل على الأمل، حتى في اللحظات الأخيرة التي تسبق صوت الحرب، يراقب إيران بعين، ويراقب سلطنة عُمان بعين أخرى. فإذا كانت العين التي على إيران ترقب شرارة الحرب وردة فعلها، فإن العين التي على عُمان تنتظر خبر السلام الذي تسعى به عُمان في المنطقة. وبين الحرب والسلام، في مثل هذه اللحظات، أجزاء صغيرة من الثانية؛ لكن تأثيرها عميق جدا لا يقل عما أحدثه سقوط جدار برلين في العالم أجمع.

وأمس بالتحديد كانت الأنظار كلها مصوبة على عُمان حينما التقى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بالدكتور علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني؛ حيث كان اللقاء بجلالة السلطان المعظم هو الذروة التي ينتظر منها العالم الخبر اليقين عن الحرب أو السلم، والخوف والرجاء، وهي ثنائيات قائمة في المنطقة وممكنة مع الأسف الشديد. وما يربط العالم بترقب اللحظة العمانية أن الحرب على إيران -أيا كانت صيغتها- لن تبقى داخل حدودها، ولن تُنتج منطقة مستقرة أو آمنة للعيش وقابلة للإدارة.

الخطأ الأول الذي يقع فيه دعاة الحرب هو الاعتقاد بأن القوة العسكرية تستطيع وحدها أن تفرض معادلة سياسية مستقرة. يمكن للقوة أن تُعطل منشأة، أو تُربك سلسلة قيادة، أو تُظهر تفوقا تقنيا؛ لكنها نادرا ما تُنهي نزاعا من جذوره، خصوصا حين يتعلق الأمر بدولة ذات عمق سكاني وتاريخي ومؤسسات أمنية متشعبة وشبكات نفوذ إقليمية، وإصرار على ما تراه إيران حقا سياديا لا نقاش فيه. وهزيمة «القدرة» شيء، وهزيمة «الدافع» شيء آخر تماما. وفي النموذج الإيراني حتى إن ضُربت القدرة، فإن الدافع سيتحول إلى رغبة منفلتة في الانتقام خاصة حينما يشعر الشعب الإيراني أن الحرب تمس كينونته الحضارية ومنجزه التاريخي وعمقه الثقافي.. وستتغير الاستراتيجية في المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة.

المخيف لدول المنطقة هو كيفية حدوث الانتقام؟ أمريكا ليست مجاورة لإيران ولا قريبة منها. والاستنزاف سيكون في ساحات حلفاء أمريكا ومصالحها في المنطقة. وسيصبح سؤال «ما بعد الضربة» أهم من الضربة نفسها. وحينها ستدخل المنطقة في فوضى كبيرة جدا على المستوى الأمني والاقتصادي.

المشكلة الثانية أن الحرب على إيران لا تتعلق بإيران وحدها. من ينظر للخارطة يجد أن الخليج هو قلب الأسواق وهو أحد أهم ممرات الطاقة. وأي تهور نحو الحرب من شأنه أن يتحول فورا إلى أزمة طاقة، وأزمة اقتصاد، وأزمة كلفة وتوتر في خطوط الإمداد، وعلى شبكات الاستثمار وجاذبية المنطقة له. وما تسميه أمريكا الآن بالردع سيتحول إلى وحل عميق، خاصة عندما يشعر الطرف الآخر أن عليه إثبات قدرته على الإيلام.. وعند هذه النقطة تصبح المنطقة كلها رهينة حسابات معقدة جدا.

تدرك سلطنة عُمان هذا المشهد كله. تدركه وهي تبني خياراتها كدولة من دول المحيط والجوار لإيران، وتدركه وهي تحاول أن تمسك بخيارات الدبلوماسية حتى الأمتار الأخيرة نحو الحرب. ولذلك تنظر للوساطة باعتبارها وظيفة سياسية تؤديها الدول القادرة على الحديث مع الجميع دون أن تتحول إلى طرف في الصراع. وهذا الدور لا يستطيع أن يقوم به الجميع، لكن أثره يعم الجميع.

وتدرك عُمان التي تبذل كل ما في وسعها من جهد ومن خبرة دبلوماسية أن الوساطة لا تملك عصا سحرية، فنجاحها رهن باقتناع الطرفين أن البديل الآخر أسوأ بكثير. وهذه اللحظة التي تسبق الحرب في المنطقة شديدة الخطورة؛ لأنها تجمع بين عنصرين متناقضين، رغبة معلنة في خيار التفاوض، وحوافز داخلية للتصعيد. وأي سوء تقدير في التعامل مع هذه المتناقضات من شأنه أن يشعل الحريق الكبير.

وإذا كانت الدبلوماسية لا تضمن السلام دائما، فإنها تمنع أسوأ الاحتمالات من أن يصبح هو الاحتمال الوحيد. وزيارة لاريجاني لسلطنة عُمان تقول إن الدبلوماسية ما زالت ممكنة حتى لو تحرك بها جنرالات عسكريون وأمنيون يفهمون لغة السلاح أكثر من أي لغة سواها.