الخطر الاقتصادي للحرب يتجاوز النفط
14 أبريل 2026
14 أبريل 2026
لبعض الوقت، بدا الاقتصاد العالمي وكأنه اكتسب قدرة لافتة على التعايش مع الاضطراب. فقد عبر الجائحة، وامتص صدمة الحرب الروسية الأوكرانية، ونجا من أشد موجات التضخم منذ عقود، من دون أن ينحدر إلى ركود صريح. وقد شجّع هذا القدر من الصمود افتراضا يبدو اليوم شديد الخطورة، مؤداه أن الجغرافيا السياسية ما تزال قادرة على إبطاء النمو، لكنها لم تعد قادرة على تغيير الشروط التي يعمل في ظلها الاقتصاد العالمي تغييرا جوهريا. كسرت الحرب في الشرق الأوسط هذا الافتراض. والخطر الذي يواجهه العالم اليوم لا يقتصر على أسعار النفط؛ فثمة خطر آخر أشد قسوة يحيط بالبنية الأوسع للكلفة والتجارة ورأس المال، وهي البنية التي قامت عليها العولمة في صورتها المعروفة.
إن أسهل طريق إلى إساءة فهم الأزمة الراهنة هو اختزالها في صدمة سلعية مألوفة. النفط مهم بالطبع، والغاز كذلك، غير أن القصة الاقتصادية الأعمق تتصل بالطريقة التي تغيّر بها الحرب تسعير المخاطر عبر أنظمة متعددة في وقت واحد. تبدأ الكلفة من الطاقة، ثم تمتد إلى تأمين الشحن، ثم إلى رسوم النقل، ثم إلى أسعار الأسمدة، ثم إلى مدخلات الغذاء، ثم إلى توقعات التضخم، ثم إلى ثمن المال نفسه. وعلى هذا النحو يمكن فهم التحذير المشترك الصادر عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية. لم يتوقف تحذير هذه المؤسسات عند كلفة الحرب المباشرة، وإنما امتد إلى آثارها العالمية المتفاوتة، والقابلة للانتشار من سوق الطاقة إلى التجارة والتمويل والأمن الغذائي.
تكمن أهمية هذا الأمر في أن الاقتصاد العالمي الحديث قام خلال العقود الثلاثة الماضية على افتراضين: الأول أن الشرايين التجارية الاستراتيجية ستظل مفتوحة حتى في أوقات التوتر السياسي الحاد. والثاني أن الطاقة، مهما تقلّبت أسعارها، ستواصل التدفق داخل نظام لوجستي مستقر في خطوطه الكبرى. وكشف مضيق هرمز خلال الأسابيع الماضية هشاشة هذين الافتراضين؛ حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، وما يعادل خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يعني أن جزءا أساسيا من ثقة الصناعة العالمية، ومخاطر التضخم، واستقرار سلاسل الإمداد، يتحدد هناك. وعندما يغلق هذا المضيق، أو يتعذر العبور فيه لأسباب أمنية؛ فإن أثر ذلك لا يبقى في السياق المحلي، إنما تتجاوز تداعياته الإقليم إلى العالم كله.
ومن سوء الطالع أن يأتي هذا كله في توقيت بالغ الحساسية؛ فالبنوك المركزية لم تنهِ معركتها مع التضخم بعد، وكانت قد بدأت في التلويح إلى مجرد أفق نقدي أقل قسوة. ثم جاءت صدمة جديدة في الطاقة واللوجستيات لتزيد هذا المسار تعقيدا. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب ترفع مخاطر الاستقرار المالي، وتشدد الأوضاع المالية، وتضيف ضغوطا جديدة إلى آفاق تبدو هشة أصلا. والمعنى المباشر لذلك أن الحرب في الخليج قد تطيل عمر مرحلة رأس المال المكلف. وهذا يضغط على الاستثمار، والإسكان، والاقتراض الصناعي، وتمويل الحكومات. كما يكشف بوضوح حقيقة أن الاقتصاد العالمي أكثر حساسية للفوضى الجيوسياسية مما أراد صانعو السياسات أن يصدقوا.
حتى دول الخليج المصدّرة للطاقة، التي يُفترض عادة أنها المستفيد الطبيعي من ارتفاع الأسعار، لا تخرج من هذه الحرب رابحة على نحو تلقائي. فالمكاسب الورقية في الإيرادات قد تذوب تحت وطأة تعطل الصادرات، وارتفاع كلفة التأمين، والمخاطر التي تهدد البنية الأساسية، والتراجع الأوسع في ثقة المستثمرين. بعض الدول في وضع أفضل من غيرها لأنها تملك مسارات جزئية بديلة عن هرمز، غير أن هذه البدائل محدودة، ولا تستطيع أن تعيد إنتاج التدفقات التجارية الطبيعية بالحجم نفسه؛ لهذا لا ينبغي فهم الخليج على أنه مجرد منطقة إنتاج تستفيد من الاضطراب، فهو أيضا المجال الجغرافي والاقتصادي الذي تنتقل عبره آثار هذا الاضطراب إلى العالم.
يعتقد البعض أن الأسواق أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. وهي تتكيّف، وتعيد توجيه المسارات، ثم تواصل الحركة. غير أن هذا الطرح يخلط بين القدرة على الاحتمال وبين امتلاك المناعة. السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الاقتصاد العالمي على النجاة من أزمة جديدة، وإنما بما إذا كانت الحروب المتكررة في الممرات التجارية الحيوية تعيد، على نحو تراكمي، كتابة الكلفة الهيكلية للنمو نفسه.
إذا تحولت طرق الطاقة إلى مناطق مخاطرة يعاد تسعيرها على نحو دائم، فإن الضرر لن يقاس فقط بضعف النمو في سنة واحدة، أو بارتفاع فاتورة الوقود في موسم واحد. سيظهر الضرر في اقتصاد عالمي يعمل برأس مال أعلى كلفة، وتأمين أشد غلاء، واحتياطات سياسية ولوجستية أكبر، وثقة أقل في انفتاح العالم الذي قامت عليه موجة توسعه الكبرى. وعند تلك النقطة، تكون الحرب قد فعلت ما هو أبعد من تعطيل الأسواق. تكون قد غيّرت ثمن النظام الاقتصادي نفسه.
