No Image
رأي عُمان

كيف تصنع الجامعات العربية الانقطاع الحضاري؟

21 فبراير 2026
21 فبراير 2026

تتسبب الكثير من الجامعات في العالم العربي في بناء حالة انقطاع حضاري داخل المجتمعات العربية وفي البناء العميق للأمة العربية.. فهي لا تستطيع أن تعيد المعرفة ـ على اعتبار أنها تنتج معرفة ـ إلى المجتمع بلغته؛ لذلك لا تستطيع أن تحدث الأثر المرجو من الجامعات. وهذه المشكلة لا تنتج بسبب اعتماد اللغة الإنجليزية لغة أساسية للتدريس في هذه الجامعات، المشكلة تكمن في أن هذه الجامعات «تنتج معرفة» لا تجد طريقها إلى المجال العام في العالم العربي؛ فلا تتحول إلى ثقافة ولا إلى سياسة عامة ولا إلى اقتصاد يمكن أن يكون اقتصاد ابتكار. وهذا هو جوهر الانقطاع الحضاري؛ فالعربية حاضرة في الحياة اليومية، وغائبة عن مصنع المفاهيم الذي يُفترض أن يصنع المستقبل.

واللغة في إحدى أهم وظائفها هي أداة سيادة معرفية، يتعلم الناس بها كيف يفكرون، وكيف يبرهنون، وكيف يختلفون. وبقدر ما تتراجع اللغة عن وظيفة حمل المعرفة تتراجع الأمة عن امتلاكها. ما تقوم به الجامعات في عدد كبير من الدول العربية، اختزل اللغة العربية في المناسبات في وقت منح فيه لغة أخرى دور العقل اليومي في الجامعة والبحث والعلوم والتقنية. هذا الأمر أنشأ طبقية لغوية يمكن أن نجدها في شكل النخبة التي تعرف وتكتب وتعمل داخل قاموس غير قاموس مجتمعها، وأغلبية لا تملك مفاتيح العلم ولا مفاتيح الحوار حوله. والذي لا يمكن أن يقال بوضوح في لغة عامة، لا يمكن أن يتحول إلى مشروع عام.

لا يعني هذا تحيزا ضد اللغات الأخرى؛ فمن العبث أن نتصور نهضة حديثة تُغلق نوافذها في وجه الآخر. الإنجليزية وغيرها ضرورة لمعرفة ما ينتج في العالم، لمعرفة الآخر ومعرفة فكره وبناء شراكات معه والأمر نفسه مع لغات أخرى تعبر عن أمم وحضارات كبيرة. لكن لا يمكن القبول بأن تصبح لغة الجسر، الجسر نحو الآخر، هي لغة الإقامة الوحيدة. كما لا يمكن أن نفهم كيف تتنازل الجامعة عن واجبها الأول، أن تُعلّم الطالب كيف يفكر بعمق بلغته، وكيف يكتب بها كتابة علمية دقيقة، وكيف يشرح بها ما تعلمه لغير المختصين، وكيف يحول المعرفة إلى أثر اجتماعي.

تشكل في بعض الأوساط العربية رأيٌ يقول إن اللغة العربية لا تصلح أن تكون لغة العلم! ولا يوجد دليل علمي على هذا الرأي، إنما ترسخ في بعض الأذهان نتيجة تراكمات طويلة بسبب ضعف المناهج وغياب التدريب على الكتابة والتحليل واحتفاء عربي بمن يتقن لغة أجنبية على حساب إتقان لغته إلى حد أصبح فيه تعلم اللغة الإنجليزية على سبيل المثال مظهرًا من مظاهر التقدم والتمدن وليس وسيلة من وسائل الحصول على المعرفة وفهم الآخر.

وهذا الاعتقاد تحول مع الوقت في الكثير من الدول العربية إلى سياسة غير معلنة. فلا أحد يقرر رسميا إقصاء العربية، لكن الجميع يتصرف كأن إقصاءها هو الطريق الأقصر إلى «الحداثة». وحين تترسخ الذهنية، تُهمل المؤسسات؛ وحين تُهمل المؤسسات، تبدو الذهنية صحيحة.

ثمة جزء مؤسسي آخر في المشكلة، وهو الأخطر لأنه يلبس قناع الواقعية. يغيب عن العالم العربي مؤسسات قادرة على إنتاج مصطلحات تخفف فوضى المفاهيم الحاضرة بقوة في العالم العربي. ولا توجد في عالمنا العربي حركة ترجمة انتقائية رصينة تشتغل وفق أولويات معرفية. ولا حركة نشر علمي تملك معايير تحكيم رصينة، ولا تدريب جامعي منهجي على الكتابة الأكاديمية بالعربية في كل التخصصات. وهذه المادة ليست ضمن مواد الثقافة العامة.. إنها مهارة مهنية للباحث والطبيب والمهندس والاقتصادي.. وغياب هذه المهارة هو ما يجعل الحديث عن «عربية العلم» هشًا، فنحن نتحدث عنه لكن تغيب عنا أدواته فيصبح حديثنا عنه ضمن حديثنا عن الكثير مما بتنا نحن إليه ولا نجده.

الجامعة هي المكان الأهم الذي يمكن أن نستعيد منه اللغة العربية، واستعادة اللغة العربية هو الباب الأول لاستعادة الحضارة العربية بكل تجلياتها المعرفية وقدرتها على إحداث الأثر العميق في الداخل والخارج.

وهنا تأتي المسؤولية التاريخية للنخب العربية وللجامعات والمؤسسات البحثية والثقافية في العالم العربي. يحتاج الأمر إلى قرار معرفي واضح: إعادة العربية إلى سياق الكتابة العلمية، وإلى فضاء البحث والترجمة والنشر، وإلى تدريب الطالب على التفكير بها كما يتقن التفكير بأي لغة أخرى. الأمة التي لا تملك لغة معرفة داخل جامعاتها، ستظل تستورد المستقبل، وتستهلكه، ثم تتساءل لماذا لا يأتيها.