حين يدخل التطرف الديني جوهر الدبلوماسية
22 فبراير 2026
22 فبراير 2026
منذ عقود وفكرة «أرض الميعاد» تدور في الخطابات الأيديولوجية اليهودية والصهيونية المسيحية وتحضر بين حين وآخر في الخطابات السياسية المتطرفة أو في الحملات الانتخابية. وهذا المستوى من الخطاب، رغم ما يحمله من تطرف، يبقى مفهوما في سياقه رغم أنه يكشف حقيقة المشروع الإسرائيلي وحقيقة ما يؤمن به داعموه عبر التاريخ.
يبدأ الخطر الحقيقي عندما ينتقل هذا الخطاب من هامش الأيديولوجيا إلى واجهة الخطاب السياسي كما نفهمه من تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي الذي تحدث عن حق إسرائيل في السيطرة على أراضٍ واسعة من المنطقة تحقيقا لنص توراتي، في انتقال واضح ومدروس في المعنى والتوقيت من لغة الدولة الحديثة إلى لغة اللاهوت السياسي، ومن منطق الحدود المتفاوض عليها إلى منطق الحدود «الموعودة». يتجاوز الخطاب الذي طرحه السفير الأمريكي بالنظر إلى توقيته وإلى مباشرته استراتيجية تكريس السردية الدينية إلى مرحلة تسويغ التصور السيادي على الأرض وتحويل النص «الديني» إلى ترخيص جغرافي معاصر.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مايك هاكبي بهذا المستوى، فقد شكك العام الماضي في مسار إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وهو من المعارضين المعروفين لحل الدولتين. وفي عام 2019 تحدث السفير الأمريكي ديفيد فريدمان عن فكرة مشابهة وعُدَّ حديثه حينها خروجًا عن الأعراف واللياقة الدبلوماسية.
لكن الحقيقة أن هؤلاء وغيرهم ظلوا على الدوام يستدعون طرحا تاريخيا حول مشروع «إسرائيل الكبرى» ومن ينظر إلى ما يجري على الأرض يعرف يقينا أن الأمر لم يكن في يوم من الأيام هامشا بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية التي لا تجد لها مساحة في ظل القانون الدولي الذي بات هو الهامش البعيد بينما الخطاب الأيديولوجي مهما كان متطرفا ومبنيا على رؤى وهمية هو المتن الذي تتحرك في ضوئه إسرائيل بدعم من الدول الكبرى بما في ذلك أمريكا.
ما حدث اليوم أن طرح السفير الأمريكي ـ وهو ليس واعظا في كنيسة ولا منظرا على منصة حزبية؛ هو واجهة دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية ـ خرج من مسار الخطاب الديني إلى الخطاب السياسي في إشارة إلى مستوى جديد من مستويات الانقلاب على قواعد ما كان يوما النظام العالمي الذي كان يقوم- نظريا على الأقل- على فكرة منع الاستيلاء على الأرض بالقوة، وعلى اعتبار الحدود شأنًا سياسيًا يخضع للتفاوض لا للنبوءة أو النصوص الدينية.
ولا يغير في حقيقة الأمر ما قالته السفارة الأمريكية لاحقًا أن تصريحات السفير لا تكشف عن تغيير رسمي في السياسة الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية! وفي الحقيقة فإن ما قاله السفير ينسجم مع تيار واسع في السياسة الأمريكية يربط دعم إسرائيل بتأويلات دينية، ويتقاطع مع نزعات قومية ـ دينية داخل إسرائيل ترى الجغرافيا «حقا» لا «تسوية». وحين يتزاوج التياران يصبح القانون الدولي مجرد عائق إجرائي يمكن القفز فوقه بالتحالفات العسكرية.
وإذا كانت اللغة كاشفة للحقيقة فإنها هنا تفسر الكثير من الاصطفافات في الإقليم في لحظة محورية وانتقالية كبرى. وما يمكن أن يفسر باعتباره لحظات يمينية أو شعبوية أو استثنائية في التاريخ العالمي يتضح أنه يقوم على فكر ديني متشدد يقسم الأرض والجغرافيا بناء على مقولات دينية، الأمر الذي يحوّل أي مقاومة لها مرفوضة أخلاقيًا قبل أن ترفض سياسيًا. وهذا الأمر يعقد القضية ويبعدها عن أي مسار سياسي يمكن أن يتم التفاوض عليه.
لذلك لا ينبغي التقليل من أثر التصريح، ولا الاكتفاء بطمأنة دبلوماسية تقول إنه لا يمثل السياسة الرسمية. الضرر يقع حتى لو لم تتغير ورقة السياسات؛ لأنه يزيح معيار الشرعية، ويُغري المتشددين في الميدان، ويضغط على المعتدلين في غرف التفاوض.
البيانات التي أصدرتها الكثير من الدول العربية والإسلامية مهمة، وكشفت عن موقف موحد إلى حد كبير.. لكن الأهم من كل ذلك أن تكون هناك مواقف عملية تجاه الولايات المتحدة التي ما زالت تمتلك الكثير من المصالح والصفقات التجارية والسياسية في المنطقة. ومن المهم أن تعي الولايات المتحدة أن التصريحات غير المسؤولة من أي دبلوماسي أمريكي لها كلفتها وثمنها خاصة إن كانت من تلك التي تحوّل الدين إلى أداة لابتلاع الجغرافيا.
