العالم العربي وأزمة الوعي
11 فبراير 2026
11 فبراير 2026
لم تعد «أزمة الوعي» حاضرة في النقاشات الثقافية والفكرية في العالم العربي كما كانت عليه قبل عقدين من الزمن، إلى حد غاب فيه هذا المصطلح عن «وعي» الأجيال الجديدة وكأن الأزمة لا وجود لها، أو كأننا قفزنا فعلا فوق حالة الانسداد الحضاري التي كان المفكرون في العالم العربي يناقشونها بكثافة حينما كان هذا المستوى من الطرح أكثر إلحاحا وحضورا في السياق اليومي في المنتديات الثقافية والأكاديمية.
لكن المشهد العام في العالم العربي لا ينبئ عن أي قفز فوق تلك الحالة، بل إن منطق الأشياء ربما يشير إلى تأزمها على اعتبار أن العالم يتغير وحركة العلوم في العالم تتقدم، والعالم كما يقول الفلاسفة لا يتغير بذاته «إنما الوعي هو الذي يغير العالم»؛ فما نشهده من ثورة معرفية في الغرب وفي الشرق الأقصى تدل على حركة وعي كبيرة مهما قيل من اعتراض عن تراجع القيم والمبادئ وهي مهمة بلا أي شك.
وأزمة الوعي في العالم العربي لا تختزل في نقص المعلومات.. وهذا تبسيط مخل كثيرا؛ فالتجربة العالمية تشير إلى رابط قوي بين تضخم المعلومات وتراجع فهم الواقع وتحديد أولوياته. الخلل أكبر وأعمق من المعلومات، الخلل في طريقة إنتاج الفهم، وفي وسائط نقله إلى السلوك العام والسلوك المؤسسي والسياسي. وإذا غاب هذا الوسيط أو لم يستطع القيام بدوره تصبح المعرفة حبيسة الكتب أو على الأرفف لمجرد الزينة.
المظهر الأول لأزمة الوعي في العالم العربي يظهر في تعطيل التفكير، والذهاب الدائم نحو بناء الثنائيات المعقدة. أنت مع أو ضد، أبيض أو أسود. والعقل الذي ينتج هذه الثنائية في الغالب مبني على استحضار «هوية» جاهزة وإسقاطها على الواقع. وهذا «العقل» يقرأ المعرفة بمنطق الانتماء لا بمنطق البرهان. وحتى اللغة التي تستخدم في هذا السياق يكون هدفها تدجين السؤال لا محاولة استنطاقه!
أما العلامة الثانية فمؤسسية. لا يكفي أن يكون المجتمع «واعيا» حتى يستطيع أن يتغير. يحتاج إلى أدوات تُترجم الوعي إلى أثر. فالتعليم، على سبيل المثال، ما لم يستطع أن يدرب المتعلم على السؤال وعلى النقد المبني على منهج نقدي لا يستطيع أن ينتج وعيا. قد ينتج حفظا للمعلومات لكن ليس وعيا بها. والجامعة التي لا تُنتج معرفة قابلة للاختبار لا تبني عقلا عاما، بل تستصدر شهادات وألقابا لا قيمة لها. وحتى الإعلام الذي يقوم على فكرة الإثارة لا يصنع رأيا عاما. قد يصنع جمهورا يعشق الإثارة لكنه لا يصنع وعيا مبنيا على معرفة حقيقية.
وتآكل هذا الأمر في غاية الخطورة لأنه يضع المجال العام يقبل أي أطروحة مهما كانت هشة ولا قيمة لها ومهما كانت تنافي أبجديات التحقق.
أما العلامة الثالثة فهي أخلاقية ـ نفسية تدفع الناس الذين يعيشون حالة الإرهاق الجمعي نحو الاحتماء بالسرديات السهلة؛ فتجدها حينما تصاب بصدمة طويلة نتيجة حروب أو انقسامات أو انهيارات اقتصادية أو تفكك اجتماعي تنظر للحقيقة باعتبارها تهديدا لا مسارا نحو النجاة. ولذلك تفضل التمسك بالرواية التي تمنحها مكانا على تلك التي تفرض عليها مسؤولية.
وإذا كانت هذه بعض أعراض الأزمة، فالعلاج يحتاج إلى بناء أدوات قوية ومنطقية تحوّل الفهم إلى أثر. لذلك يحتاج العالم العربي إلى عودة النقاش الجاد حول مراجعة أزمة الوعي وعلى كل المستويات بما في ذلك الوعي السياسي والوعي الاجتماعي. لكن هذا البحث يحتاج إلى أدوات تعيد الاعتبار للتثبت بوصفه قيمة عامة لا تقنية نخبوية. والتثبت ليس أداة خاصة بالصحافة إنه قاعدة للعيش المشترك، والمجتمع الذي لا يستطيع أن يتثبت يعيش في حالة شك واتهام وهذا يعيق أي رغبة في البناء.
ثم إن فكرة الوعي تحتاج أن تنتقل إلى المجال المؤسسي لتتحول إلى نظام عمل تصبح فيه الجامعة، باعتبارها أعلى مؤسسة في بناء الوعي، تقاس أهميتها بقدرتها على إنتاج المعرفة لا بحجم مبانيها.
ثمة أمر آخر مهم في هذا السياق وهو ترميم العلاقة بين الفكرة والحياة. أن تخرج الأفكار من سياقها النظري إلى سياق الحياة الواقعية. إن أهم ما يفعله الوعي هو أنه يجعل الناس قادرين على رؤية الفرق بين ما يُقال وما يُنجز، وبين الصورة والواقع.
وهذه الأزمة ليست قدرا ثقافيا على العالم العربي لكن لا يمكن أيضا تجاوزها بالركون إلى المواعظ. ما لم يستعد «العقل العام» قدرته على التمييز، وعلى تحويل الوقائع إلى مساءلة، وعلى ترجمة المعرفة إلى سياسة ومؤسسة، سنبقى ندير الواقع بالانطباعات والولاءات والانفعالات. وهذا لا يفقدنا السجال الفكري ولكن شرط الفعل نفسه فيما المجتمعات تتقدم في العالم بشكل أسرع مما نستطيع أن نستوعبه.
