العالم الخارج عن سياقه
يبدو العالم اليوم أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وأقل قدرة على إنتاج الحكمة. نعيش لحظات تتقدم فيها التكنولوجيا بسرعة تسبق قدرة الإنسان على استيعاب آثارها رغم أنها تفتح أمامه أبوابا واسعة في الذكاء الاصطناعي والطب والاتصال والطاقة والفضاء. يحدث هذا التقدم الهائل في لحظة تتراجع فيها القيم الأخلاقية في النظام الدولي، وتتآكل فيه القواعد التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود طويلة حتى في صورتها الناقصة وغير العادلة دائما.
كانت تلك القواعد -رغم ما بها من اختلال- تمنح العالم الحد الأدنى من اللغة المشتركة ومن الدبلوماسية، وفهما واضحا لحدود برجماتية السياسة. وكان هناك حديث عن القانون الدولي وعن سيادة الدول وحماية المدنيين ودور المؤسسات في منع المجتمعات من الانزلاق نحو الفوضى. لم تكن هذه اللغة قادرة على حماية الضعفاء في كل مرة وحملت ازدواجية واضحة في المعايير، مع ذلك وضعت حاجزا نفسيا وسياسيا أمام تحويل القوة إلى المرجع الوحيد. هذا الحاجز يتداعى يوما بعد آخر وبلا مواربة، وتنتهك القواعد بكثير من الثقة ومن دون حرج يذكر وبكلفة سياسية وأخلاقية أضعف.
يجعل هذا التحول الخطير العالم الذي نعرفه خارج سياقه. والعجيب أن يحدث هذا بعد وقت قصير، بمعيار التاريخ، من جائحة كورونا التي أكدت أن مصير العالم شديد الترابط. لم يستوعب أحد الدرس كاملا، وربما استوعبه ثم اختار تجاهله، فعاد إلى صناعة السياسات التي تفكك المعنى العميق للترابط الإنساني الذي كشفته الجائحة؛ فقد كشفت أن حادثة صحية في مكان واحد تستطيع أن تعطل كل تفاصيل الحياة. وكان الدرس واضحا بما يكفي، فلا نجاة منفردة في كوكب متشابك. لكن العالم خرج من تلك التجربة أكثر انقساما، وأقل استعدادا لبناء تضامن حقيقي.
ويمكن أن نقرأ مفارقة عميقة هنا؛ فالنهضة التكنولوجية التي تمنح الإنسان أدوات غير مسبوقة للفهم والتنظيم والوقاية، لا تمنحه تلقائيا بوصلة أخلاقية. فيمكن للعالم أن يملك أنظمة أكثر ذكاء وبيانات أكثر دقة ثم يوظفها في الحروب وفي انتهاك القوانين وتجريد المدنيين والضعفاء من الحماية. والتكنولوجيا التي تضاعف القدرة المعرفية والعملية لا تستطيع تحديد الغاية من الاستخدام؛ فإذا لم تحكم الموضوع غاية أخلاقية تحولت القوة التقنية إلى امتداد جديد لأزمات قديمة يتم توليدها في أشكال جديدة.
لا تتعلق أزمة العالم الراهنة بضعف الإمكانات أو قلة المعرفة كما كان يحدث في مراحل سابقة من التاريخ. أزمته اليوم تتمثل في ضعف الإرادة السياسية والأخلاقية. فالعالم يستطيع أن يفعل الكثير في مجال بناء قواعد وقوانين أكثر عدلا وبناء عالم مشترك تحكمه القواعد، وهو يملك الأدوات التي تساعده في ذلك.. لكنه يختار توسيع الفجوات بين الأمم والشعوب. كان العالم، على اختلاف حضاراته، يطمح أن يبني الكثير من الجسور التي تربط الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية ونجح في مرات وأخفق في أخرى. ظل خطاب الجسور حاضرا في تلك المرحلة -على أقل تقدير- أما اليوم، فقد تراجعت تلك اللغة وتقدمت لغة الجدران والمصالح الضيقة، حتى صار الحديث عن حوار الحضارات أو التفاهم بينها أقرب إلى ذكرى بعيدة.
العالم الذي يتقدم في المعرفة يتراجع في القوانين وفي القيم وفي البنية الأخلاقية المشتركة بين الناس. وهذه مفارقة تهدد مستقبل العالم، أخلاقيا وعمليا؛ فمن يفقد قواعده المشتركة يصبح أكثر عرضة للفوضى، وتغدو قوته التقنية عبئا عليه. وفي عصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيشه يتسع هذا الخطر، حيث تمتلك البشرية أدوات غير مسبوقة من دون إطار أخلاقي واضح. وهنا تكمن مأساة عالم يخرج عن سياقه، ويمضي إلى المستقبل بأدوات مذهلة وقواعد منهكة وضمير عالمي غائب.
