وجوه وحكايا ... زكريا تامر الساخر الغائب عن المشهد الثقافي.. هل سيكرم في وطنه؟
بسام جميدة -
كلما كنت أعبر إلى حي العمارة وسط دمشق من المدخل الضيق المحاذي لشارع الثورة، وأمر في سوق الحدادين هناك كنت أتذكر الكاتب زكريا تامر الذي خرج من هذا الحي، ومن هذا المكان الذي كان يعمل فيه حدادا، ومن ثم امتهن صنعة الكتابة لينهل من هذا الواقع الذي عاشه هنا كثير من القصص القصيرة المعبرة التي كتبها بسخرية تنم عن روح سردية أرادت أن تسخر من الواقع برصانة، وعبر الاقتباسات الدالة التي ترمز للقهر وللظلم، وكشف العادات المستهجنة في ذلك الوقت.
ففي المشهد الأدبي العربي الساخر، يبرز زكريا تامر بوصفه أحد أكثر الكتّاب قدرة على تحويل السخرية إلى أداة جمالية حادة، تتجاوز الترفيه لتصبح وسيلة تفكيك ونقد عميق لبُنى القمع والخضوع. فلم تكن السخرية عنده زينة أسلوبية، إنما جوهر الرؤية، وعمودها الفقري الذي تنتظم حوله اللغة والصورة والحدث.
من يقرأ أعمال تامر، يلاحظ أن العالم الذي يقدّمه يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه في حقيقته مشحون بتوتر داخلي عالٍ. ففي قصته الشهيرة "النمور في اليوم العاشر"، نقرأ "في اليوم العاشر، لم يزأر النمر، بل نظر إلى الرجل وحرّك ذيله في رضا". هذه الجملة المكثّفة تختصر مسارا كاملا من الترويض القسري؛ حيث تتحول الكائنات الحرة إلى نماذج مطيعة. المفارقة هنا لا تكمن فقط في صمت النمر، بل في تحوّل هذا الصمت إلى علامة رضا، وهو ما يشكّل ذروة السخرية السوداء: القبول بما كان يُرفض.
يعتمد تامر في بناء هذا التأثير على الاقتصاد اللغوي الشديد؛ حيث تأتي الجملة قصيرة، محمّلة بدلالات رمزية كثيفة. فالنمر ليس مجرد حيوان، بل هو استعارة للإنسان الذي يُنتزع من طبيعته تدريجيا. كما أن تكرار الزمن (الأيام) يخلق إيقاعا سرديا يوحي بالرتابة، وكأنَّ القمع عملية يومية اعتيادية، لا حدثا استثنائيا.
وفي نصوص أخرى، تتخذ السخرية شكل المفارقة الصادمة. ففي إحدى قصصه، يكتب "كان الرجل سعيدا؛ لأنه لا يفكر" هذه العبارة، على بساطتها، تكشف بنية عميقة من التناقض؛ حيث يتحول غياب التفكير إلى مصدر سعادة. هنا، يستخدم تامر قلب القيم بوصفه تقنية بلاغية، فيعيد ترتيب العلاقة بين الوعي والراحة، ليشير إلى أن المجتمعات المقهورة قد تجد في الجهل ملاذا.
كما تتجلى بلاغة السخرية عند تامر في اعتماده على ما يمكن تسميته "اللغة المحايدة المخاتلة". فهو لا يصرّح بالموقف، بل يقدّمه عبر سرد يبدو باردا أو عاديا. ففي قصة أخرى، نقرأ: "ضربوه كثيرًا، ثم قالوا له: نحن نحبك." هذه الجملة تقوم على تضاد صارخ بين الفعل والقول؛ حيث يتحول الحب إلى غطاء لغوي للعنف. المفارقة هنا ليست مجرد أداة فنية، بل هي كشف لآلية خطابية تستخدمها السلطة لتبرير ممارساتها.
ومن الناحية الأسلوبية، يكثر تامر من توظيف الرمز الحيواني؛ حيث تتحول الكائنات إلى مرايا تعكس الواقع الإنساني. هذا الاختيار منحه حرية أكبر في التعبير، وجنّبه المباشرة، لكنه في الوقت نفسه يعمّق البعد التهكمي؛ لأن القارئ يدرك أن ما يُقال عن الحيوان إنما يُقصد به الإنسان. وهنا تتقاطع كتاباته مع تقاليد الحكاية الرمزية، لكنها تختلف عنها في حدّتها وكثافتها.
السخرية في أدب زكريا تامر هي أيضا سخرية إيقاعية، تقوم على التكرار والتدرّج. فالأحداث تتصاعد ببطء، لكنها تقود إلى نهاية صادمة، غالبا ما تكون مفارِقة لما يتوقعه القارئ. هذا البناء يمنح النص طابعا شبه دائري؛ حيث يبدو أن الشخصيات عالقة في حلقة مفرغة من القهر.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في أدب زكريا تامر، إذ تترافق السخرية مع إحساس عميق بالألم والرفض. فهو لا يسخر من الإنسان بقدر ما يسخر من الظروف التي تشوّه إنسانيته. لذلك، تأتي كتاباته محمّلة بروح احتجاجية تدعو إلى التغيير.
يمكن القول إن زكريا تامر نجح في تأسيس خطاب ساخر يقوم على البلاغة المكثفة، والمفارقة الحادة، والرمزية العميقة. لقد جعل من السخرية أداة مقاومة جمالية، تكشف هشاشة الواقع، وتعيد طرح الأسئلة حول الحرية والكرامة والإنسان. وهكذا، يتحول النص عنده إلى مساحة توتر دائم؛ حيث لا يكون الضحك إلا وجها آخر للألم.
وإذا كان صوت زكريا تامر قد خفّ في السنوات الأخيرة، فإن ذلك لا يمكن فصله عن مسار حياة طويلة ومحمّلة بالتجارب. الكاتب الذي وُلد في دمشق عام 1931، وعاش في أحيائها الشعبية، استمدّ من تلك البيئة مادته الأولى: القمع اليومي، الفقر، العلاقات المختلة، والخوف الصامت، وكشف المستور، من هناك خرجت شخصياته، ومن تلك التفاصيل الصغيرة بنى عوالمه الساخرة.
ورغم طغيان الرواية في شغفنا اليومي للقراءة إلا أنني أجد نفسي مشدودا في كل مرة لإعادة قراءة عدد من قصصه التي احتفظ بها في محفظتي الإلكترونية، وأتلمس إبداع هذا الكاتب الذي انقطع عن الدراسة مبكرا لكنه تقلد مناصب رفيعة في عالم الأدب كرئيس تحرير لعدد من المجلات والصحف الأدبية داخل وخارج سوريا، وترجمت أعماله إلى عدة لغات.
قادته الغربة إلى لندن؛ حيث عاش بعيدا عن المكان الذي شكّل ذاكرته، وربما زادت المسافة من حدّة التأمل وقلّة الكتابة في آن واحد. ومع تقدّمه في العمر، وقد لامس عامه الخامس والتسعين، بدا أن الصمت لم يكن غيابا بقدر ما كان موقفا.
يمكن اعتبار انقطاعه عن الكتابة امتدادا طبيعيا لأسلوبه نفسه: اقتصاد في اللغة، ورفض للإفراط، واكتفاء بالقول حين يكون القول ضروريا فقط. وكما كانت جمله قصيرة وحادّة، جاء صمته أيضا مكثفا ودالا.
كنت أتمنى الاحتفاء به، وتكريمه في وطنه واستقباله في دمشق التي يحبها من قبل رموز الثقافة، ولكننا لم نسمع أي كلام عن هذا المبدع الذي عانى كثيرا وعارض كثيرا.
حاولت مرارا مراسلته عبر بريده الإلكتروني وعبر معارفه، ولكن لم أفلح في حواره حتى هذه اللحظة.
وفي حضور زكريا تامر يستيقظ السؤال المر عن الأدب الساخر في سوريا الذي تضاءل صوته وافتقدناه كثيرا، هل فقد الأدب سردياته الساخرة، وما سر الغياب؟
صدرت للكاتب عدة مجموعات قصصية منها: صهيل الجواد الأبيض، ربيع في الرماد، الرعد، دمشق الحرائق، لماذا سكت النهر: (53 قصة للاطفال)، النمور في اليوم العاشر، قالت الوردة للسنونو، نداء نوح، سنضحك، الحصرم وغيرها الكثير.
