ثقافة

"ليلى.. ومائة ليلة" ملحمة البداوة على الرمال ورسالة الإنسان أينما كان!

10 أبريل 2026
عمل توسّد الصحراء فغدت مسرحًا
10 أبريل 2026

كتب ــ عامر بن عبدالله الأنصاري

صادف أن أشهد أيام مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي في نسختين، إذ تزامنت إجازتي مع أيام النسخة الأولى منه، والنسخة الأخيرة الموسومة بالنسخة «التاسعة» في أواخر العام الماضي، وشتان بين النسختين الأولى والتاسعة، إذ كان للانقطاع بين تلك النسختين بون شاسع، تطوّر خلاله المهرجان بصورة كبيرة من عدة نواحٍ، مع الإبقاء على روح القالب المسرحي «المسرح الصحراوي» بوصفه قالبًا مستحدثًا وشكلًا من أشكال المسرح التجريبي، وأحسب أن الشارقة قد استحدثته أول مرة، وهي المدينة الوحيدة التي تقيمه إلى اليوم بطابعه الخاص، رغم وجود مهرجانات أخرى اقترنت بالصحراء، مثل «مهرجان مسرح الصحراء» في الجزائر، إلا أن خصوصيته تختلف من ناحية مضمون العرض الذي قد يكون صالحًا لمسرح العلبة، ومن ناحية افتراش رمال الصحراء لتكون أشبه بالبساط المستوي.

أما المسرح الصحراوي في الشارقة، فيعتمد على شكل الصحراء عمومًا كقالب مسرحي، بما فيه من هضاب وتدرّج رملي ومساحات مستوية، ومن ناحية المضمون فإن المهرجان مخصص للعروض المرتبطة بالتراث العربي الصحراوي والحكايات الشعبية التي نُسجت في قلب الصحراء،

وتوظيف كل ذلك في أعمال مسرحية بدوية تستحضر الموروث وتقدّم للجمهور حكايات الماضي.

أعود إلى ما بدأته من البون الشاسع بين النسخة الأولى من مهرجان المسرح الصحراوي، والنسخة التاسعة، ففي أول نسخة حضرت عرض المخرج العُماني يوسف البلوشي «عشق في الصحراء»، وللمؤلف نعيم فتح نور، عن رواية «موشكا» للكاتب محمد الشحري. أذكر حينها حجم الإبهار الذي انتابني وأنا أشاهد عرضًا مسرحيًا تم فيه توظيف كل جزء من المساحة المخصصة له في هذا العمل، وإقحام الجِمال ومُسيّريها لتقديم حكاية أسطورية عن عشق إنسي وجنية في صحراء ظفار.

وفي النسخة التاسعة منه، تطور المهرجان مع بقاء فضاء العرض المسرحي كما شهدته في النسخة الأولى، إذ يبدو أنه ملائم جدًا ويختزل طبيعة الصحراء الخليجية عمومًا في تلك البقعة، لتكون الأجواء الباردة جدًا، مهيأة لمشاهدة العرض القطري «ليلى.. ومئة ليلة».

«ليلى.. ومئة ليلة»

رغم مضي أشهر على مشاهدتي للعمل القطري الصحراوي «ليلى.. ومئة ليلة»، إلا أنني ما زلت مستحضرًا لتفاصيله المتعددة، تفاصيل الفكرة العامة للعمل، وتفاصيل اللعبة الضوئية، وتفاصيل اللهجة واللباس، وتفاصيل اللغة الأدبية العالية والموسيقى المرتبطة بالصحراء من خلال العزف الحي على الربابة.

بالنسبة للفكرة العامة للعمل، فقد تناول العمل، لمؤلفه «طالب الدوس»، حكاية ارتبطت بالصحراء، رغم أنها حكاية إنسانية تشترك في كل مكان وزمان، فمهما ذهب الإنسان يبقى هو الإنسان بما يحمله في قلبه من صفات متناقضة بين الخير والشر، والدهاء والغباء، والحنية والقسوة، والحكمة والجهل.

تجسد شخصية «شاهر» معاني الحقد والغدر والخيانة التي تنبعث من غيرته على من يحبها «ليلى»، إلا أن من يحبها لا تميل له، بل سكن حب «جساس» في قلبها، وكلاهما يحب الآخر. ورغم رابطة الرحم بين «شاهر» و«جساس»، إلا أن الأول يجد في قتل الآخر سبيلًا للوصول إلى «ليلى»، فينفذ فعلته بارتباك، ثم يهرب إلى وجهة غير معلومة ليلتقي بالعرافة، التي تنبأت له بسيادة على قوم من الأقوام لمائة يوم فقط، ثم يتبدل حاله إلى الردى، وخلال رحلته الشاقة في ثنايا الصحراء يُنهك قبل أن ينقذه رجلان من الرحالة، ولكن الغدر في قلبه، فما إن نام الرجلان حتى قتلهما ليستولي على الخيل والزاد، فيواصل الهيمان في الصحراء.

فَيَصِلُ إلى قومٍ تترأسهم امرأة قُتل زوجها، ووريثه الوحيد في المشيخة طفل سيتولى المهمة فور أن يكبر، وكان للقوم أعداء هم قتلة الشيخ، فيضع «شاهر» خطة للقضاء على الأعداء وينجح في ذلك، لكن طمعه وغدره لا يزالان حاضرين، فيقرر أن يدفن وريث المشيخة حيًا، لينصّب نفسه بعد ذلك شيخًا على القبيلة التي وثقت به واختارته بالإجماع، وتتحقق نبوءة العرافة لمائة يوم، بعدها شاءت الأقدار أن تتضح الحقيقة، فقد وجدت العرافة الطفل في مدفنه وأنقذته في اللحظة الأخيرة، وأرجأت الكشف عن ذلك حتى تتكشف نوايا «شاهر»، إذ كانت على صلة بأهله الذين عالجوا «جساس»، فـ«جساس» كذلك لم يمت، إلى أن ظهرت الحقيقة على الملأ، وسقط «شاهر» في مواجهة حاسمة مع ماضيه وجرائمه، لتكون نهايته كما تنبأت العرافة، نهايةً تجرّده من زيف البطولة وتعيد الاعتبار لأصحاب الحق.

كانت لغة «طالب الدوس» كما يعهده من يعرفه، لغة أدبية عميقة، وظف فيها المحسنات البديعية بشكل واضح وكبير، رغم أن اللغة الأدبية قد تكون عصية على الحفظ والأداء المسرحي، وقد يستهجنها الجمهور العام وبعض المسرحيين، إذ يرون أن العمل المسرحي يجب أن يكون أقرب إلى السرد اليومي، بدلا من السرد الأدبي، إلا أنني أميل إلى اللغة الأدبية، وأنتصر لمن يعتبر أن النص المسرحي نصٌ أدبي، ولربما أراد المخرج الحفاظ على أدبية النص، وكذلك المؤلف لتأكيد فكرة ارتباط أهل الصحراء باللغة الشاعرية والأدب والشعر عموما، فهكذا تبدو حواراتهم اليومية في زمان خلا وما زال.

إخراج مبدع

نجح مخرج العمل الفنان «فالح فايز» في تقديم فرجة مسرحية مبهرة، استطاع أن يوظف قوة النص اللغوي البديع في عمل مسرحي ترسخ في الذاكرة، أو ذاكرتي على الأقل، فقد وظف كل زوايا المساحة الرملية، من هضاب ومنخفضات ومرتفعات. مشاهد القتال بين «شاهر» و«جساس»، ومشاهد المعركة بين القوم الذين لجأ إليهم «شاهر» وأعدائهم، وجموح الخيول أمام الجمهور، والإضاءات ذات الدلالات الكثيرة، في المشاهد الشاعرية بين «ليلى» و«جساس»، والمشاهد الحادة بين «شاهر» و«خاله» والد جساس، وسرد الذكريات، حتى مشهد المبيت امتلأ بالضوء الأزرق الدال على عمق الليل ووقت السبات.

كما أن مرور العرافة من خلف الهضاب على ظهر الجمل، لتبدو واضحة على مرأى الجمهور خطوة بخطوة في حركة متزنة، ينم عن فهم عميق لطبيعة الصحراء وطبيعة الحكاية الشعبية، وهو ما منح العرض بعدًا بصريًا متكاملًا، جعل من الفضاء الصحراوي عنصرًا حيًا في السرد، لا مجرد خلفية للأحداث.

حتى الموسيقى الحية على الربابة كانت مدروسة بعناية كما يبدو، ومؤديه الذي صاحب عزفه بالغناء البدوي ذي صوت شجي عمَّق الارتباط بين الجمهور ومكانة الصحراء، وأدخله في قلب الصحراء.

أما اللهجة المستخدمة في العمل، فكانت لهجة بدوية متعددة الأقطاب، فلم تكن لجهة بداوة خليجية فقط، بل كانت مزيجًا بين اللهجة البدوية الخليجية واللهجة البدوية الشامية التي بدت واضحة على لسان العرافة. وقد استطاع العمل أن يقول للجمهور إن الصحراء التي خرجنا من رحمها كانت يومًا ملتقى للرحّل والمسافرين بين الأمصار العربية، فالعرافة التي جسدت دور الحكيمة، تتخذ من السفر محطة دائمة ورحلة لا تنقطع، تجوب الصحراء وتلتقي بمختلف القبائل والأقوام، حاملة معها خبرات الأزمنة وذاكرة المكان، وهو ما أكده مخرج العمل «فالح فايز» في حديثه بعد انقضاء العرض الممتع، خلال الجلسة التعقيبية.

وما زلت مندهشًا من قدرة «فالح فايز»، حيث عمل على أدق التفاصيل، حتى إن الفنانة المؤدية لدور العرافة، وهي فنانة ليست بالصغيرة، عمل بمهارة على تدريبها لامتطاء الجمل لتنساب برشاقة على الصحراء، كما بقية الفنانين المشاركين الذين تدربوا على امتطاء الخيول حتى وهي تجمح في مشهد المعركة، وتنساب حركتها في مشاهد العشق، في انسجام لافت بين الأداء الجسدي وروح الحكاية. وقد شارك في العمل نخبة من الفنانين، هم: إبراهيم محمد، وطالب الدوس، وعلي سلطان، وإبراهيم لاري، وفاطمة الشروقي، وموري، وحنان صادق، وخليفة جبر، وعبدالله مبارك، وأمير دسمال، وأمينة الوكيلي، حيث أسهموا جميعًا في تقديم أداء تمثيلي متناغم عكس روح العمل الجماعية، وتقديم فرجة عصية على النسيان في ليلة قطرية بامتياز حملت رسالة إنسانية تقول: «الخير سيظهر وينتصر مهما طالت الأيام».