كتاب «هداية الأخيار» واللقاء بمؤلفه عبدالله العذَّالي
محمد بن سليمان الحضرمي -
في إحدى الضَّحوات الدافئة بمسقط، أواخر أعوام التسعينيات الماضية، ذهبت إلى زيارة الشيخ أبي المنذر عبدالله بن حمود بن حامد العَذَّالي، صاحب كتاب «هداية الأخيار إلى مناهج الأسرار»، رغبة في لقائه والتعرُّف عليه، ولعلي كنت أطمح أن أجري معه حوارًا صحفيًا، فسعيت إليه بعد أن عرفت مكانه في مدينة «الوطية» بمسقط، وحين بلغت البيت استقبلني الشيخ عبدالله، وكان مندهشًا من هذه الزيارة المفاجئة، التي جاءته بلا سابق موعد، فاعتذرت لاقتحام خلوته، وأبديت له رغبتي في التعرُّف عليه والحديث معه، بعد أن قرأت كتابه «هداية الأخيار»، في نسخة مخطوطة، وما أن سمع مني اسم الكتاب، شعرتُ وكأنه أدرك مرادي من الزيارة، ويبدو أنه كان غير مرحِّب من انتشار كتابه، بطريقة الاستنساخ بلا إذن منه، وأنا أتفق معه في هذا الجانب، ولكن لعلها كانت الطريقة الوحيدة آنذاك الوقت، للحصول على كتاب مخطوط وغير مطبوع، فقد حصلت عليه مُصوَّرًا من إحدى المكتبات بمدينة روي.
وبعد أن سال الحديث بيننا في بساط اللقاء، أحسست أنَّ الشيخ عبدالله غير راغب في الحديث عن كتاب خطَّه بيده في زمن الشباب، وأنه ما عاد يشتغل بهذا العلم، وواضح من الصفحة الأولى للمخطوط، المتضمنة للعنوان واسم المؤلف، أنه نسخه في مسقط عام 1361هـ، وفي نسخه للجزء الثاني يكتب الشيخ العذَّالي بخطه: وقع الفراغ من نسخ هذا الجزء الثاني، بيوم السادس عشر من شهر جمادى الأول، عام ستين وثلاث مائة وألف بعد الهجرة النبوية: 16 جمادى الأولى 1360هـ، يوافق/ مايو 1941م، وما أدهشني في المخطوطة المصورة جمال الخط، فقد أتقن الشيخ عبدالله العذَّالي في كتابته، وتظهر في حواف صفحته الأولى زخرفة نباتية رائعة رسمها بقلمه.
الخط البديع الذي كتبه الشيخ العذَّالي، لا يوصف في جماله وأناقته، وبالأخص مقدمته التي استوفى فيها المنهج الذي سار عليه في تأليفه للكتاب، وجاءت الديباجة الأولى متوافقة مع مادة الكتاب، يقول المؤلف: فبيَّن سبحانه وتعالى منافع الأشياء ومضارّها، وبنور العقل انكشفت حجب الأسرار، حتى استطاع أن يستخدم جميع الأشياء، وينتفع بها طول أيام حياته، ثم يقول: فما من طائر في السَّماء، ولا دابَّة في الأرض، ولا شجرة على وجه البسيطة، إلا وفيها سِرٌ من الأسرار، أخفاه الخالق جلا وعلا عن العالمين، حكمة منه تعالى، وأرض عُمان غنية بأشجارها ونباتاتها، ولكنها فقيرة من هذا العلم.
ويسرد الشيخ العذَّالي في مقدمته، قصة خروجه إلى زيارة قرية «العِلْيا» بوادي بني خروص، في عام 1359هـ/ 1940م، بمعيِّة الشيخ إبراهيم بن سيف الكندي، ليرى في الوادي أشجارًا جَمَّة على سفوح الجبال، لم يَرَ مثلها من قبل، يقول: فجعلتُ أسألُ عن اسم كل شجرة استغربها وعن فوائدها، فمنهم من يخبرني عن اسمها ويكتم عني سِرَّها، ومنهم من ينبئُني عن سِرِّها ويخفي عني اسمها!
ويبدو أن الشيخ العذَّالي تعب كثيرًا في جمع مادة الكتاب، حتى صار يسأل عن منافع كل نبتة يراها، وسرد في تقديمه حكاية تتحدث حول تعبه في معرفة أسرار كل نبتة وشجرة، يقول: فبينما أنا كذلك، إذ طلع علينا رجل عليه سمة العِبادة، أو ما يقال عنه عندنا بمطوَّع، وفي إحدى يديه شجرة صغيرة، اقتطفها في ذلك الحين من سفح جبل قريب منا، فقال لي: أتعرف هذه الشجرة، فأجبته كلا يا أيها الشيخ، لم أرها قبل هذا اليوم، ولابد أنَّ لها سِرًا عظيمًا، فرمى الشجرة إليَّ، وقال لي: تأمَّل إلى كيفية خِلقتها، فرأيت لها زهرًا أبيض وأصفر، يضارع في الصورة رأسُ الحَيَّة، وكأنها أخرجت لسانها، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم قلت له: نعم رأيتها، ولكن بربك المعبود أخبرني عن اسمها، وما لها من الفوائد، فأجابني المسامحة، إن ذلك لا يتسَنَّى لي، فقلت له: كيف؟ فقال: إذا أخبرتك بطل السرُّ الذي فيها عنِّي. وبهذا النسج من السَّرد الحِكائي لموقف عايشه العذَّالي مع هذا الشخص «المطوَّع»، دفع به أن يُدوِّن أسماء الأشجار والنباتات، التي تنمو في سفوح جبال عُمان وقراها، ليخرج لنا بكتابه هذا «هداية الأخيار إلى مناهج الأسْرار».
قسَّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أجزاء، في الجزء الأول، تفسير لبعض أسماء الأشجار المبهمة، والأدوية التي شاع نطقها باللغة الفارسية، مع ذكر بعض الأشجار وطبائعها ومجرباتها، وقد قرأت هذا الجزء بأكمله، ورأيت فيه قاموسًا لأسماء النباتات، رتَّبَها هجائيًا بدءًا بحرف الألف، وأوله كان عن نبتة الأيهقان، ويسمى في عُمان المحرَّقة، ثم أبرشا وأبريشا وعرق الحلو وأصل السوس، وهو «المِتْك»، وهذه الشجرة معروفة عندنا في منح، يقتلع الأهالي عرقها الحلو، وحين يطبخ بالماء يصبح أشبه بالشاي المُحلى بالسكَّر.
ثم يتحدث عن نبتة الأذخر، وتسمى في عُمان الصَّخبر، وفي قائمة النباتات التي تبدأ بحرف الباء نقرأ اسم بابونج، ويسمى في عُمان الفرفار، وشجرة فورفري تشبه الأقحوان، وتسمى في عُمان المُرَنَّحا، والباذنجان البرِّي ويسمى في عُمان الشرنجبان، والبقلة الحمقاء وتسمى الخليلقا ولعلها الغنيمبا أو الفرفينة، وشجرة البان وهي الشوع، والتمر الهندي وهو الصِّبار، والملح البسيطي وهو ملح الطعام، وحب الخضر وتسمى بالفارسية تنمشك، وهو المنج، وينقل العذالي عن الطبيب راشد بن عميرة قوله: ولقد رأيتها ورأيت شجرته في فارس بلاد «لار»، وهي مدينة كبيرة تقع في جنوب غرب إيران، هل يكون ابن عميرة قد زار هذه المدينة؟
وبعد أن ينهي الشيخ العذَّالي حصر النباتات الطبيَّة، في معجمه اللغوي المنتهي بحرف الياء، وآخره شجرة اليقطين أو الأجاص، وهي شجرة القرع، يتناول بعد ذلك بعض الأدوية التي تقوم مقام غيرها في المنفعة، ثم تفسير أسماء المعادن، ويدخل إلى فوائد مجربة في علم الكمياء، ويقصد به تحويل بعض المعادن الرَّخيصة إلى ثمينة، ثم يتناول فوائد بعض الأشجار، كـ«شجرة الهدهد»، ويصفها بأنها شجرة مباركة، مشهورة عند العلماء، وفيها السر الأعظم، وتنبت في سفوح الجبال، ثم يسترسل في الحديث عن فوائد بعض الأشجار والثمار لصحة الإنسان، وفوائد جذور بعض النباتات المسكنة للأوجاع وغيرها، وبعض البذور التي تستخرج منها الزيوت والأدوية.
وواضح من مادة الجزء الأول، أنه عمل بحثي وتجريبي، لفوائد بعض النبات والأشجار الطبية، يشابهه كتاب آخر للشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي (ت: 1263هـ/ 1847م)، وهو «السرُّ العلي في خواص النبات السَّواحيلي»، وقفت على نسخة مصورة منه، مكتوبة بقلم الناسخ عبدالله بن سيف الريامي، أما الجزء الثاني من كتاب "الهداية" فهو نقلٌ من كتب مختلفة، يضيف عليها حديث عن أنواع الأحجار الكريمة والخرزات النافعة، ويبدأ الجزء الثاني بفصل عن الأوقات السَّعيدة والنحسة، ليدخل بعد ذلك في كتابة الأوفاق بحسب الأيام ومطالع النجوم، وقد تحدثت عن هذا الجانب في مقالة سابقة، تناولت فيها بعض المؤلفات العُمانية في هذا العلم، بما لا ينبغي الخوض فيه، فهي خليط من علم النجوم، وعلم أسرار الحروف، وتدخل فيها أسماء سريانية وأدعية بمفردات مجهولة المعنى.
لذلك لا أستغرب عدم رغبة الشيخ العذَّالي في الحديث عن كتابه هذا، الذي كتبه وهو شاب في مطلع الأربعينيات، لعله أدرك أن هذه العلوم ليست مما يناسب هذا الزمان، ولاحظت أن المؤلف دمج الجزء الثالث مع الثاني، وكان قد أشار في مقدمة كتابه، أنَّ الجزء الثالث سيجمع فيه الرياضات الرُّوحية وشروطها وما لها من الأيام، تتناثر في ثنايا الجزء الثاني.
في شيخوخته الهادئة، كان الشيخ عبدالله بن حمود العذَّالي، يقضي حياته منكفئًا على نفسه، مع أسرته من الأولاد والأحفاد، ويتابع ما يبثه التلفاز من نشرات إخبارية وبرامج، وقلَّ من يعرفه من الباحثين، أنه صاحب كتاب «هداية الأخيار»، وبعد أن شربت معه فنجان قهوة، ودعته وتركته دون أن أسجل معه لقاءً، ولم يبق من تلك الزيارة واللقاء به في ذاكرتي إلا ما يشبه الأحلام، فلقد مضى عليها أكثر من عشرين عامًا، ولم أسع إلى تدوين تفاصيلها ورقيًا، بل إني لا أذكر العام الذي زرته فيه، ولكن ذكرى زيارتي له، لا تزال عالقة في وجداني، وقد أدهشني خطه الجميل في تدوينه وتسطيره ورسمه لكتابه، والذي حينها كان لا يزال مخطوطًا.
