القريتين في أحلام جدتي
"كنتُ أحلمُ في القريتين".. كلمات كانت كفيلة بأن توقظ في عيني جدتي لمعة مألوفة. فبينما هي مستلقية في سريرها، حدقت في سقف الغرفة طويلاً، وكأنها لا تزال هناك تحت سماء أخرى، وفي زمن غير الذي نعيش فيه؛ فلم يكن هذا الحلم إلا واحداً من فيض أحلام لا تنتهي، إذ لا تمر فترة من الزمن إلا وللقريتين نصيب من خيالها ويقظتها.
جثوت على ركبتي مستندةً برأسي على حافة سريرها، وتركت لروحي العنان وهي تصف لي حلمها بتفاصيله الجميلة؛ وكأنها تصفُ "جنة الله في أرضه". حدثتني عن القريتين؛ عن الأروقة والبيوت القديمة، وجذوع النخل العريضة، والفلج الذي يجري بانسياب في سواقيه، ومذاق التمر الذي لم يجد فمها له شبيهاً قط. من خلال وصفها المتكرر، اعتدت أن أرسم ملامح تلك الأرض البعيدة في مخيلتي، وفي قلبي أمنيةٌ تكبر يوما بعد يوم، وهي أن تطأ قدماي تراب تلك الأرض الطيبة.
الجدير بالذكر أن جدتي لم تكن امرأة عادية، بل كانت منذ مهدها مشروعاً لشخصية استثنائية؛ اجتمع فيها ذكاء حاد وفطنة سبقت سنوات عمرها الغض. ولم تكن تلك السمات لتبلغ مداها لولا أنها وجدت في القريتين بيئة خصبة احتضنت نبوغها؛ ففي كنف خالها الذي رعاها بعد فقد والدها، وجدت المعلم الأول والمربي الذي صقل معدنها وقوّى شكيمتها.
وفي زمن ندر فيه العلم، كان ذهنها الوقّاد كفيلاً بتذليل الصعاب؛ ففي رحاب تلك القرية تعلمت القراءة، وخطت أولى كلماتها على "كتف الجمل"، وحفظت القرآن الكريم ونفائس الأشعار والقصص. ولم يكن هذا التأسيس الرصين مجرد تحصيلٍ معرفي عابر، بل كان بمثابة "الدرع الوجداني" الذي سلحها لمواجهة تقلبات الحياة في فصول عمرها اللاحقة.
لكن الأقدار لم تمهل تلك الطفلة طويلاً؛ إذ ذاقت مرارة اليتم للمرة الثانية برحيل خالها، الذي كان يمثل لها الأب والوطن معاً. وعندما دقت ساعة الرحيل، ودعت جدتي القريتين بجبالها وهي تغالب دموعها، وقد كانت حينها فتاة يافعة في ربيعها الرابع عشر؛ حيث لم تكن مغادرتها مجرد حدث عابر، بل شهد وداعها الشيب والشباب في مشهد اختزل كل سنوات الانتماء؛ كان الوداع صعباً وكان أشبه بالأم التي تودع قطعة من روحها وهي ترحل نحو "غيبة" امتدت لأكثر من أربعة عقود. ولم يكن ذلك الرحيل مجرد انتقال مكاني، بل تحولاً وجودياً، وجدت معه نفسها تجابه هوّة سحيقة من الاختلاف النفسي والاجتماعي وسط وجوه غريبة وتفاصيل لا تنتمي إليها. ومنذ تلك اللحظة، ظلت القريتين هي الملاذ الوجداني الذي يرمم انكسارات الغربة، والصورة النقية التي تعبر عن ذاتها.
وعندما تهيأت أسباب العودة، زارت جدتي القريتين بعد طول غياب، لتكشف تلك الرحلة عن معدن ذاكرتها التي لم تزدها السنوات إلا اتقاداً؛ حيث طافت بناظريها بين الضواحي والبيوت والوديان، واستحضرت تفاصيل الأفلاج وكأنها لم تغادرها إلا بالأمس. زارت القرية في يوم واحد بلهفة الظمآن الذي لا يرتوي، ثم عادت لبيتها البعيد، لتعيش ما تبقى من عمرها متمسكة بحلم العودة؛ ذلك الحلم الذي بقي معلقاً في أروقة التمني.
أما أنا، فقد زرت "القريتين" ورأيتها كما كانت في أحلام جدتي، لكن رحلتي كانت تفتقد تلك اليد التي تمنيت أن تمسك بيدي لنعبر الحلم معا. وما إن وطئت قدماي أرضها، حتى شعرت وكأنني خطوت داخل حلمها؛ فالمكان لوحة حالمة تفوق كل ما رسمته في مخيلتي. رأيت النخيل الوارفة تعانق السماء، وأشعة الشمس وهي تتسلل بين الخوص لترسم على العشب خرائط ضوئية.
كان الهدوء مهيباً وأنا أعبر تلك الأروقة؛ كنت أتحسس جدرانها العتيقة لعل كفي تلامس طيف يدها، وأستنشق الهواء بعمق وكأنني أسترد أنفاساً سكنت صدرها ذات يوم. وقفت بين جذوع النخل العريضة، فتمثلت أمامي صورتها وهي طفلة ذات ضفائر ذهبية تركض بنشاط بين النخيل. في تلك اللحظة، لم أجد ما يعبر عن غصة قلبي سوى قول الشاعر الأموي: "وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا."
إن تجربة جدتي (جوخة بنت ماجد) في جوهرها لم تكن مجرد حنين لقرية بعيدة، بل هي ملحمة وجدانية تختزل صراع الهوية بين تجذر الانتماء للأرض الأولى، وبين محاولة التكيف مع واقعٍ مغاير. لقد جسدت بوفائها كيف يتحول "المكان الأول" إلى حصن نفسي يحمي الإنسان من التلاشي في زحام الحياة؛ فغربة روحها التي استمرت لأكثر من ستين عاماً، برهنت على أنها لم تكن تنتمي يوما إلا لتلك السنوات التي عاشتها كأميرة في كنف خالها.
وها أنا اليوم أصل إلى عتبة الختام، أتساءل: بأي البلاد سيجول خيالي؟ وهل سأحلم بـ "القريتين" كما كانت تحلم جدتي؟ الحقيقة التي أدركتها في رحاب تلك الأروقة مختلفة تماماً؛ فأنا لا أحلم بالأرض، بل أحلم بجدتي.. فهي وطني، وإليها وحدها أنتمي.
