قراءة في «ما يخطر في ذهن طبيب نفسي وهو عائد إلى بيته»
بعد الاستماع الى ندوة إشهار الكتاب، ثم قراءته بعد أيام، وجدت نفسي أفكر فيما يخطر في الذهن حول مضمون الكتاب وشكله ولغته؛ فكما يمكن للطبيب النفسي أن يفكّر به بعد انتهاء عمله، فإننا ونحن نستمع لتجربته، سنجد أنفسنا نفكّر فيما استمعنا له وقرأناه، بما فيه من آلام يصعب المرور عنها، دون الاشتباك مع تساؤلات سياسية وفكرية عما آلت إليه بعض بلادنا من وضع مأساويّ نتيجة الفتنة وما أفرزته من تحولات دموية.
تفاوتت نصوص فصول الكتاب التسعة ما بين السرد القصصي خاصة في الفصلين الأول والسابع، وما بين التجريد الجماليّ في الفصول الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، وما بين السرد العلميّ في الفصل الأخير، بمسحة بوح يتجه فيها الكاتب للمخاطب والمتكلم في آن واحد. وفي الوقت الذي تتغيّر الأشكال والمضامين في هذا الكتاب، إلاّ أن الذي يلاحظ على كتاب الطبيب النفسيّ، هو أنّ المنطلق الإنسانيّ هو ناظم هذه الفصول التسعة مجتمعة.
ولعلّ اقتباسنا من كلمات إهداء الكتاب الذي كان ل "دانية": "كتبت لك كي لا تضيعي في متاهة لم أشرحها لك يوما، لعلك يوما تقرئين، وتبتسمين لأنك كنت السبب في أن أحبّ الحياة أكثر"، ما يشير الى دور الالتزام الوجوديّ تجاه الآخرين، لتجنيبهم رحلات الألم، في الوقت الذي يكون التخفيف عنهم سببا في زيادة شغف الإنسان-الكاتب والطبيب تجاه البشرية؛ فرسالة الطبيب النفسي رسالة إنسانية، تعالج الآلام كما يعالجها الطبيب العاديّ.
كذلك، فإنّ حديث الكاتب الصريح عن بحثه الشخصيّ عن السعادة، يجعل الالتزام هنا نابعا من الذات أيضا، فثمة التزام مترابط ما بين الهمّ العام والهمّ الشخصيّ، في سياق الخلاص.
يأتي صدور الكتاب، في سياق تطور الكتابة نفسها، وتطور العلوم الإنسانية نفسها؛ ففي البدء كانت حياة البشر مجالا للتعبير، فكانت الكتابة، حين تبلورت، مجالا للسرد، ثم أصبحت الحياة وتجلياتها الأدبية مجالا للخوض فيها، فيما صار يعرف بالفلسفة التي كان علم النفس جزءا من أبحاثها لفترة طويلة جدا من زمن اليونان، الى أن استقل علم النفس عن الفلسفة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد العالم الألماني فونت، حين بدأت المختبرات النفسية في تلك الفترة.
وبالرغم من المنطلقات النفسية في الأدب العالميّ، كجزء من منظومات سوسيولوجية وفلسفية وسياسية موجودة في عالم الأدب، إلا أنه يمكن القول إن علم النفس انتقل للأدب، من خلال القصص والروايات النفسية، والتي انتقل جزء منها الى السينما والمسرح (بشكل أقلّ).
ثم مع انتشار الصحافة، ظهرت أدبيات تستخدم سرد الحالات النفسية التي تعالج في ثوب أدبيّ مشوّق، توفرت الفرصة لكتابها، من المتخصصين في علم النفس ممن يمتلكون مهارات الكتابة، فظهرت عدة كتب خصوصا في مصر، كان لها جمهور من القراء من مختلف الاهتمامات.
لذلك، يمكن أن نعدّ كتاب ""ما يخطر في ذهن طبيب نفسي وهو عائد الى بيته" للدكتور محمد الخواجا، كتابا في سياق الأدبيات التي ترتكز على الحالات من جهة، وعلى العلم نفسه، حين التعرّض لها.
ولعلّ اقتباس الكاتب قول فرانز كافكا في مقدمة الفصل الثامن: " أحيانا لا نعرف ما نشعر به حتى يضعه شخص في كلمات"، يعمّق ما ذهبنا إليه من كتابة علم النفس أو أدبيات تعتمد عليه.
سرد الفصلين الأول والسابع:
بمفتتح ل "هاروكي موراكامي" يقول فيه: "حين تخرج من العاصفة ستكون متيقنا من أمر واحد فقط: إنك لن تعود الشخص نفسه الذي دخلها" صفحة 11. وهنا حين يعرض لحالات اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري، فإن الطبيب يجد نفسه منقذا إنسانيا وليس معالجا فقط، "لم أكن أبحث عن معنى الطب، بل عن معنى الإنسان". ونراه يعلق على حالة امرأة مكتئبة بسبب خوفها من زواج زوجها بامرأة ثانية، قائلا: "نحن لا نحزن دائما بسبب الحروب، بل نحزن لأن أحدهم لم يمسك أيدينا حين احتجنا له". ثم ليستخلص عبرة موجعة بعد معالجته لأحد الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب فيقول: "عاد الطفل وترك الوحش خلفه، لكنني لم أعد كما كنت".
كان ذلك بعض ما اكتنزه الفصل الأول، أما ما حفل به الفصل السابع، فكانت مونولوجات سردية جميلة الأسلوب ومشوقة، مثل نصّ صفحة 227: "أنا فتاة في الثالثة والعشرين..أحاول أن أتنفس.."، ليختتم مونولوجها الذي دلّ على قدرة الوعي على الخلاص: "في النهاية لم أنتصر على كل شيء، ولم نغلق كل الجراح،..لكن صرت أعرف الطريق الى نفسي، وصرت أعود إليها كلما ضعت، وهذا وحده يكفي الآن". صفحة 242.
في أواخر الكتاب، سنكون في ظل أدبيات علمية ميسرة، تقارب الحالات، فنقرأ عن حالات منها: اضطراب المراق، ونظافة النوم، ومتلازمة الرجال الذين أحبوا أكثر مما تحتمله أجسادهم، ومتلازمة التهاذر، وديوجين ونداء الفراغ....
جدير بالذكر أن الكاتب أفرد لغزة الفصل الرابع، والمسجد الأقصى الفصل الخامس، أما الموت فقد جاء في الفصل السادس والذي تم ربطه بالطمأنينة، لنستخلص منها جميعا تلك المسجة الوجودية الدينية، والتي ظهرت إما في إيراد بعض الآيات القرآنية الكريمة أو أحاديث نبوية شريفة، وإما في اللغة الإيمانية، ولعل كل ذلك كان في ذهن الطبيب النفسي وهو عائد إلى بيته، حيث يصبح العمل هنا جزءا من الذات القلقة التي تشعر بمسؤولية إنسانية تجاه البشر، والتي تتساءل بحرقة عن الآلام التي ليس لها أي مبرر.
*صدر الكتاب عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله-فلسطين 2026، ووقع في 346 صفحة.
