No Image
ثقافة

طارق علي روائي زاده التاريخ

23 مايو 2026
23 مايو 2026

إيهاب الملاح 

(1)

لماذا العودة إلى التاريخ؟ ولماذا تتزايد أو تتكاثر أشكال هذه العودة محاكاة وتقليدا، قراءة وتفسيرا، استلهاما وتوظيفا؟

يبدو أن الأمر سيشغل النقاد ومؤرخي الأدب والرواية بشكل أخص، وفلاسفة الفن وعلم الجمال على نطاقات أوسع.. لأن الوفرة الهائلة والمذهلة من الروايات التي تُنشر كل يوم في عموم العالم العربي من محيطه إلى خليجه تشي إلى أن الأمر يمثل ظاهرة "انفجارية" ستستدعي التوقف أمامها طويلا.

ولا يبدو الأمر عربيا مفارقا أو مغايرا لمثيله في أرجاء العالم المختلفة؛ في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وفي كل مكان يمارس فيه البشر فعل الإبداع والكتابة والاحتجاج بالخيال!

تراودني هذه الأسئلة كثيرًا مع اتصالي بعمل أو أكثر مما يطلق عليه "رواية تاريخية" بأي معنى كان، وبأي تصور تجسده هذه الرواية أو تلك.

وقد أثار فضولي وأشعل شغفي المعرفي والنقدي الإعلان عن قرب صدور الرواية الخامسة (أو الرابعة ربما) من خماسية الكاتب البريطاني الشهير طارق علي ذي الأصول الباكستانية، وأحد أبرز وجوه اليسار الجديد أو المتقاطع مع مدرسة ما بعد الكولونيالية بدرجة أو بأخرى.

جذبني هذا الإعلان المثير إلى معاودة قراءة الروايات الثلاث التي كنت قرأتها على مدار السنوات العشر الماضية. وقد توقفت تفصيلًا أمام أولاها، محاولا التخلص من غلالة الإعجاب الكبير التي لازمتني عقب الانتهاء منها! لم يكن سهلا بعد قراءتي لمشروع الراحلة رضوى عاشور في "غرناطة" أن أعثر بسهولة على سردية أخرى تروي ما حدث بعد سقوط غرناطة أو تستعيده (أو بالأحرى تتخيله وترسم ملامحه من الشواهد التاريخية الحاضر منها والمسكوت عنه معا) من خلال سرد حكيم عائلي لأولئك الذين حاولوا البقاء على قيد الحياة بعد انهيار عالمهم "هذه رواية لها ما تقوله، وتقول ذلك جيدًا"، بحسب ما وصفتها صحيفة (الجارديان) العريقة.

(2)

إذا كان الكاتب والروائي الأمريكي المعروف "جيمس رستن"، قد صرح مرارا بأنه لا يهتم بالتاريخ من أجل التاريخ، ولكن بالتاريخ الذي يعلمنا شيئا عن العالم الذي نعيش فيه اليوم. ولذلك فإنه يختار الكتابة عن شخصيات معروفة في تاريخ الإنسانية يصفها بالملحمية والاستثنائية كغاليليو، وصلاح الدين الأيوبي، لأنه في نظره لا معنى للكتابة عن الناس العاديين..

فإن الروائي البريطاني ذا الأصل الباكستاني "طارق علي"، يؤكد ويشدد على أن اهتمامه بالتاريخ في أعماله عموما، وخماسيته حول الإسلام بالأخص، يعود إلى مرحلة الطفولة إلى غرس البذور في نشأته البعيدة، حيث كان مولعا بجميع ضروب الكتابة ذات الخلفية التاريخية، إلى أن تطور ذلك إلى اهتمامٍ إبداعي شخصي خاص بالحضارة العربية الإسلامية، وبرموزها الكبيرة، تمخض عنه مشروع خماسية الإسلام التي بدأت برواية في ظلال شجرة الرمان واكتملت بصدور جزئها الخامس والأخير رواية (ليلة الفراشة الذهبية) في 2011.

عرف قراء العربية طارق علي من روايته البديعة «ظلال شجرة الرمان» التي صدرت للمرة الأولى باللغة الإنجليزية عام 1992، ثم صدرت الترجمة العربية لها عام 1995 بتوقيع إبراهيم السعافين (وإن كانت هذه الترجمة لم تعرف على نطاق واسع، ولم تنتشر كما يجب)، إلى أن حصلت دار الكتب خان بالقاهرة على حقوق نشر الترجمة العربية لها، وأصدرتها بالفعل في 2011 بتوقيع الكاتب والروائي المصري المعروف محمد عبد النبي..

استقبلت الرواية استقبالًا ممتازًا وكُتب عنها الكثير في مصر، وفي أنحاء متفرقة من العالم العربي، مما شجع الناشرة الدؤوبة كرم يوسف على إصدار الترجمة العربية للرواية الثانية «كتاب صلاح الدين» في 2014، وبعدها بعامين صدرت الترجمة العربية للرواية الثالثة بعنوان «المرأة الحجرية»؛ وها نحن في انتظار صدور الروايتين الرابعة والخامسة على التوالي؛ بعنوان «سلطان في باليرمو»، و«ليلة الفراشة الذهبية»..

وإذا كان طارق علي قد استغرق قرابة العشرين عاما لينجز خماسيته التاريخية التي أطلق عليها "خماسية الإسلام" فإن ظهورها في العربية قد استغرق قرابة الخمس عشرة سنة تقريبًا! عمومًا وعلى أية حال، فإن قرب إنجاز الترجمة العربية لهذا المشروع الكبير والمهم، يفتح الباب واسعًا لمناقشات وقراءات وتأملات نحن في أمسّ الحاجة إليها حول مفاهيم "الرواية التاريخية" و"الرواية والتاريخ" و"استلهام التاريخ في الأدب".. إلخ، هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية، رفد الحياة الأدبية والنقدية بمادة جديدة طازجة وحيوية تضخ في شرايين ثقاتنا الأدبية والإبداعية وتقدم زادا وفيرا لمبدعينا وكتابنا وروائيينا على السواء.

(3)

"خماسية الإسلام" أو كما شاعت التسمية في العربية "خماسية تاريخ الإسلام" (وإن كانت الأولى هي الأدق من وجهة نظري!) مشروع سردي فكري ضخم، ينبني على إعادة سرد مشاهد وفترات في تاريخ الإسلام؛ يقدم من خلالها الروائي والكاتب البريطاني رؤيته لقضايا التحرر، ونقص المركزية الأوروبية، ومناوأة الاستعمار والتصدي للإجابة عن أسئلة إشكالية صعبة تمثِّل في مجملها هواجس وانشغالات مثقف تعود أصوله إلى العالم الثالث، واستقر في واحدة من بلدان العالم الأول كما يطلقون عليه! وقد أصبح صوتا عاليا ومزعجا من أصوات ما بات يعرف بمدرسة التابع أو ضد الاستعمار أو مدرسة ما بعد الكولونيالية تلك المدرسة التي استوعبت أطيافا من الشرق والغرب؛ يشتركون جميعا في أنهم من أصول إفريقية وآسيوية.

يختار طارق علي فصولًا ومواقف من تاريخ الإسلام استهلها بتلك اللحظة المؤسية الدرامية في الأندلس، وتابع اختياراته من حينها (ولم يراع الترتيب الزمني على أية حال) وحتى الآن، وقد غطى مساحات من التاريخ الإسلامي الوسيط، في نهاياته وحتى اتصاله ببدايات العصر الحديث وسقوط الدولة العثمانية.

صاحب هذا الصرح الروائي والثقافي المهم هو الكاتب والمفكر البريطاني الجنسية الباكستاني الأصل طارق علي (من مواليد لاهور 1943 بباكستان)؛ وهو كاتب سياسي وروائي ومخرج سينمائي وصحفي رئيسي في مجلات اليسار الجديد منذ الستينيات، وحرب فيتنام ومشارك فعّال في كل محاكمات حقوق الإنسان.

هذا الأفق الفكري الواسع، بحسب المرحوم علاء الديب، انعكس على محاولته الروائية لكتابة تاريخ الإسلام من منظور فكري نقدي متحرر، متتبعًا عوامل القوة (وبذور الضعف) ومصادر طاقة الإسلام على الانتشار والامتداد والبقاء، ودارسًا أيضا المشاكل الفكرية والاجتماعية التي عانتها مختلف المجتمعات الإسلامية، وصنعت لها الانتصارات والهزائم العنيفة التي ميزت تاريخ الإمبراطوريات الإسلامية المختلفة..

(4)

يمكن هنا الاستعانة ببعض ما كتبته الصحافة الأوروبية والدوريات المعنية بالمراجعات الأدبية والنقدية حول هذا المشروع الكبير الذي تحمس له إدوارد سعيد شخصيًّا! وكلنا يعلم موقع إدوارد سعيد من هذا التيار الفكري والثقافي والنقدي الذي تأسس عقب صدور كتابه المدوي «الاستشراق» (1978).

توفي إدوارد سعيد في سبتمبر من عام 2003، بعد أن اطلع على روايتين على الأقل (إن لم يكن قد اطلع على الرواية الثالثة أيضا ربما)، لكن الأكيد أنه قرأ «في ظلال شجرة الرمان» بإعجاب وتقدير كبيرين، كانت هذه الرواية هي ضربة البداية في هذا المشروع الذي وصفته صحيفة "الإندبندنت" بأنه "يجسد الإنسانية وروعة إسبانيا المسلمة، قصة ساحرة، مفعمة بالاقتصاد والحيوية. إن ظلال شجرة الرمان هي تاريخ حقيقي وصادق وغني بالمعلومات وممتع، بالإضافة إلى خيال، كتاب يستمتع به ويلتهم".

أما المشروع ككل عقب اكتماله بصدور الرواية الخامسة والأخيرة منه في 2011، فيقول عنه المحرر الأدبي وكاتب المراجعات "ريتشارد ماركوس": "بشكل فردي، يروي كل كتاب قصة جذابة. بشكل جماعي، تشكل الكتب الخمسة نسيجًا يعطي القراء لمحة عن العمق الحقيقي للتاريخ والثقافة الإسلامية ومجدهما. مع «خماسية الإسلام»، يثبت طارق علي أنه بارع بنفس القدر في كتابة الخيال. بلمسة بارعة، لا يُظهر مدى أهمية الثقافة الإسلامية الحيوية فحسب، بل يُظهر مدى تأثيرها على الثقافة الأوروبية"..

(وللحديث بقية..)