رحل خميس العدوي وثمار فكره دانية القِطاف
محمد بن سليمان الحضرمي
وكأنما الموت كان بانتظاره، يخاتله ليثب إليه، وفجأة أجهز عليه، وهو بين رياحين قلبه وفلذات كبده، وكأنَّ روحه طارت إلى عالم الآخرة، ليسقط بينهم مغشيًا عليه، مُنهيًا حياة من الكفاح المعرفي، امتدت نحو نصف قرن، ومُخلِّفًا إرثًا ثقافيًا كبيرًا؛ مكتبة عظيمة في مدينته بهلا، تحولت إلى مركز ثقافي، ومؤلفات كثيرة بعناوين مهمة، ومراجعات لكتب وموسوعات، ومشاركات كثيرة في الندوات، ومشاريع لا تزال قيد البحث، كمشروع «حضارة سلًّوت»، ومشاركته في «موسوعة الأسماء في بهلا»، وغيرها من الإنجازات، التي تركها الراحل في حياة مشوبة بالأكدار، لكنه رحل وثمار فِكرِه دانية القِطاف، كثمار النخيل في موسم القيظ، وكان الموت نهاية حتمية، لهذا الفيلم الدرامي العجيب، المسمَّى حياة.
قبل نحو عشرين عامًا، وجدتني أبحث عن شخص اسمه: خميس بن راشد العدوي، كنت قد قرأت له ما كان ينشره في الصُّحف، وبعض المُدوَّنات الإلكترونية، المتاحة آنذاك الوقت، فقد ظهر أكثر من غيره، حاضِرًا ككاتب يقدِّم فِكرًا حُرًا، وعرَّفني عليه صديقه في الكتابة وفي الحياة؛ الدكتور زكريا المُحرَّمي، في لقاء جمعني بهما في أحد المقاهي بمسقط عام 2007م، كان العدوي حاضرًا، وكانت مفاجأة حلوة بلقائه، دون سابق موعد، وبعد أن تعرَّفتُ عليه أكثر، وجدت في نفسي الرَّغبة في إجراء حوار صحفي معه، نشرته في ملحق «شُرُفات» بجريدة عُمان، 5 نوفمبر 2008م، ثم في كتابي: «إبحارٌ باتجاه الكلمة».
هل كان عليَّ أن أبحث عنه، لأتعرف عليه قبل عقدين من السنين؟، لربما نعم، وهو من جميل ما جادت به عليَّ الأقدار، فقد أضاف الكثير لذائقتي، وأصبح جزءًا من ذكريات الأيام، وكان تعرُّفي عليه بمثابة نقلة في تفكيري إلى مدى أرحب، كان العدوي مُحفِّزًا لي أن أكتب، وأن ألملم بعض ما كتبت، من خواطر ومقالات، لنشرها في كتاب، ونالت مجموعتي الشعرية «في السَّهل يشدو اليَمَام»، نصيبًا من تفكيره، فأضفى عليها جمالًا بحسِّه الأدبي، وكتب فيها قراءة أدبية أنيقة كروحه المُحِبَّة، حملت عنوان: «لِسِرْب اليَمامِ أكثرُ مِنْ أغنية».
ولأنَّ الحياة محفوفة بالآلام، فقد عاش العدوي حياته متألمًا، منذ أن كان طفلًا صغيرًا، تجرَّع مرارة اليُتْم بفقد والده وأمه، والحزن على فقد أخيه، وأفراد من أسرته، لتمضي الحياة به شابًا يافعًا يبحث عن أسطوريته الخاصَّة، وفي العقدين الأخيرين من عمره، اشتغل بالكتابة، باحثًا عن الفِكرة الحُرَّة، التي ترقى بالإنسان، بَعيدًا عن الأهواء وأسْرِ الخُرافة، الفِكرة التي تتحَلَّى بالسُّمو إلى آفاق بعيدة، وترقى بتفكير الإنسان إلى عالم حُرِ من النقاء، وله في هذا الجانب مقالات كثيرة، بعضها لا يزال صداها يتردد في عقول القراء، من بينها مقالتاه: «برجماتية الأفكار»، و«المُتبقِّي في الفِكْر»، ناشِدًا من ذلك أن يكون حُرًا في التفكير، وأن يعيش الحياة بتفكير حُرٍ، أو كما يعبر في منصة X بقوله: «أمارسُ الحُريَّة برُوح نَبِي»، لقد كان حُرًا في التفكير وفي الكتابة، وليس تابعًا ولا مؤدلجًا، وكانت الكتابة لديه تعبيرا عن تفكير حُرٍ واسع المَدَى، فخرجت كتابته تعبِّر عن أحلامه البعيدة، ورؤاه العميقة، ومن حق الإنسان أن يعبِّر عما يفكِّر.
ولأنَّ الحياة لا تقاس بالأعمار، ولا بعدد السنوات مُكوثًا، فهذا رِزقٌ من الله، إنما بما يتركه الإنسان من بصمة في بناء الحياة، فكيف إذا أضاف آثارًا فكرية، وقَدَرُ بعض المبدعين الكبار أنْ لا يعيشوا طويلًا، فكأنما أفكارُهم تأكل أرواحهم، لذلك كانت حياة خميس العدوي قصيرة بلغت 56 عامًا، حياة قصيرة قياسًا بأحلامه، التي كان يروم تحقيقها، كان يعمل دون كلل، وبسَعْي حثيث لا يَفتُر، ويستغل ساعات الانتظار، أو حين يكون مسافرًا، لمراجعة كتاب جديد لغيره، ولا يكتف أن يصححه نحويًا فقط، بل يعيد بناؤه لغويًا، حتى يخرج بنص سليم، وفي هذا الجانب راجَعَ عشرات الكتب، وأعاد صياغتها، وهذه شطارة لا يقدر عليها، إلا من أوتي حصافة في التعبير.
وخلال حياته التي انتهت في مدارات العقد الخمسين، أصدر خميس العدوي كتبًا موقَّعة باسمه، كمؤلِّفٍ لها، آخرها فيما أحسب: «طورُ التحولات رصد من الاجتماع العماني المعاصر»، ومن بينها كتابه الصَّغير في حجمه والكبير في رسالته: «الواقعية والوحدة الإسلامية»، و«الفرقة الناجية»، و«التصوُّف في عُمان»، و«فلسفة العيد وفقهه»، و«السياسة بالدين في سبيل فهم منطق الأحداث»، و«الوقف العلمي في بهلا»، وغيرها من العناوين المهمة، واشترك مع الكاتبين الدكتور زكريا المحرَّمي وخالد الوهيبي، بتأليف كتاب: «السنَّة: الوَحْي والحِكمَة»، وكانت محاولة مهمة وجريئة منهم لتجديد التراث الفقهي الإباضي، وأحدث كتابه «الإيمان بين الغيب والخرافة»، بمشاركة الكاتب خالد الوهيبي، هزَّة في التفكير حين صدوره، فقد ناقشا فيه أفكارًا هي من قبيل المُسلَّمات العَقَدِيَّة المُعَقَّدَة، وطرحا فيه آراءهما بروح الباحث المغامر، وكانت مغامرة حقًا، في دراسة منطق الإيمان، بين «غَيْبٍ» هو في علم الله، و«خُرافَةٍ» تتحكَّم بعقول البشر.
وحين اشتعل طوفان الأقصى، سال قلم العدوي بالكتابة، متأثرا بآلام الأمة العربية والإسلامية، فأعمل فكره في المشاركة بقلمه مع أحداث الطوفان، قراءة وتحليلًا لما كان يراه من أحداث الطوفان، وتبعات طغيان الحرب الإسرائيلية على غَزَّة، مضمِّنًا كتابه ثلاثين مقالة، صدر الكتاب بعنوان «طوفان الأقصى رصد الأحداث وقراءة المتغيرات»، وقارئ هذا الكتاب يخرج بفهم حقيقي ومتزن، لمجريات تلك الأحداث الدامية، وما تبعها من إبادة جماعية لشعب غَزَّة، ودمار للبنية التحتية في المدينة المنكوبة.
والحديث عن أفكار الراحل خميس العدوي في مؤلفاته، أشبه بغزال يعدو، يصعب اللحاق به، أما عن السير في براح الأرض، فقد ظهر في مشروعه البحثي عن آثار «حضارة سَلُّوت»، قطع فيه شوطًا مع ابنه عبدالرحيم، الذي يسير على درب أبيه في الاشتغال الثقافي، وتشارَكا معًا في قراءة الرُّموز المنقوشة في صخور الجبال، بين موقعي «كُدَم» و«تَنُوف»، والبحث في المناطق المهجورة، الغائصة بين الجبال والأودية، بين بهلا والحمراء، حيث حصاة «نِي صَلت» كما يسميها، تبدو أشبه بكعبة قديمة، تعود إلى تلك الحضارة الغائبة، وقد رافقتهما في ثلاثة مشاوير، من بينها زيارتنا لسفح جبل «أبو صُرُوج» في مَنَح، المليء بالمدافن الأثريَّة.
وبرحيل خميس العدوي، تكون عُمان الوطن قد فقدت مُفكرًا عاش حياته منشغلًا به، وسيفقد ظله «مركز الندوة الثقافي» في بهلا، الذي أسسه مع أصدقائه منذ مطلع التسعينيات، وتابع بناءه منذ أن كان مكتبة صغيرة، حتى أصبح من الصروح الثقافية البارزة، بالأعمال التي يقدمها في كل موسم، وبالكتب المهمة التي طُبِعَت، جلها بتحرير ومراجعة العدوي، وستفقده الدروب بين بهلا ومسقط، والأمكنة التي شهدته في أنحاء عُمان، وستفقده صفحات جريدة عُمان، التي غذاها بحبر قلمه، وكأنه يكتب مقالاته بدم قلبه، وسنفقده نحن أصدقاؤه في لقاءاته وأحاديثه واتصالاته وتواصله الحميمي.
ويا للمرارة، فكم يعزُّ عليَّ يا أبا ماجد أن أكتب عنك، وأنت في غيابة اللحد بمقبرة «الفرجانية» ببهلا، ولا تقرأ ما أكتب، ولا ترسل لي عبارتك التي أحبها منك: (شُكرًا أيَّها الفيْض)، يا للألم على فقدان الجَمال من شخص عرفته نقيَّ السَّريرة، يا لتلك الساعات المتساقطة من العمر، كأوراق من شجرة الحياة، ذهبنا خلالها في رحلات بريَّة، بحثًا عن أسرار الحضارات، ومعًا في رحلات خارج الوطن، إلى روسيا وتونس وجزر القمر، وقد نلتقي في مقهى صغير كلقائنا الأخير قبل شهر، أو تحت ظل سُمْرة بين بهلا ومنح، ومعًا نحلم ونبالغ في رَسْم الأحلام، وفي لحظة يقول: لا تبالغ في الحلم كثيرًا، ولذلك وضعت في كتابي «أسرار صغيرة» تقديمًا باسمه، كتبت فيه: حالمُون في الحياة، حالمُون في الكِتابَة.
يَعِزُّ عليَّ يا أبا ماجد، أن أدخل منزلك، مساء الثلاثاء، الثاني من ذي الحجة، 1447هـ، 19 مايو 2026م، وجثمانك مُسَجَّى، لكن رغبة في توديعك، والدعاء لك بالرحمة، دفعتني إلى ذلك، فكم من المرَّات دعوتني لزيارتك في منزلك هذا، بضاحية المعمورة في بهلا، أو الذي شيدته في مسقط، ومرَّة أجيب، ومرات نتركها للغيْب، حتى جاء الغيب بقدرك المحتوم، في ساعة بَرْزخيَّة، بين حياة آفلة وموت مُحقَّق، كان الأصدقاء من حولك مذهولين، فكشفنا عنك غطاءك، وألقينا على وجهك نظرة الوداع، فبدا وكأنك لم تَمُتْ، باسِمًا كزهرة ياسَمين.
