No Image
ثقافة

رسائل أينشتاين وفرويد.. وحتمية الحرب

13 يونيو 2022
13 يونيو 2022

اعتدتُ استغلال رياضة المشي اليومية في الاستمتاع بالبرامج الصوتية من الإنترنت، وبينما أبحث في المواضيع الثقافية عثرت على كتاب «لماذا الحرب»، يضم الرسائل المتبادلة بين ألبرت أينشتاين (ت:1955م) وسيجموند فرويد (1939م)، وقد استمعتُ إليه وإذا به يعالج موضوعًا يكاد ينطبق على واقعنا، رغم أن الرسائل جرى تبادلها قبل تسعين عامًا. حدا بي الفضول المعرفي أن أبحث عن الكتاب منشورًا، فوجدته بترجمة جهاد الشبيني وتقديم وتحرير نادر كاظم. والكتاب.. يشد انتباه قارئ حركة الفكر وتاريخ تطوره، مما جعلني أعرضه في برنامج «كتاب أعجبني»، الذي يقدمه الأستاذ سليمان المعمري عبر إذاعة سلطنة عمان، وهو برنامج اعتدت المشاركة فيه.

الكتاب.. يُعرَّف بأنه مناظرة بين الفيزيائي أينشتاين وعالم النفس فرويد حول الحرب، وبالأجدر هو حوار سياسي، وأصله.. أن «المعهد الدولي للتعاون الفكري» بعصبة الأمم طلب من أينشتاين، عضو مجلسه الاستشاري، أن يختار موضوعًا يرى أهمية مناقشته مع مفكر يرشحه بنفسه، فاختار موضوع الحرب، فكان موفقًا، فالعالَم لتوِّه خرج من الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وحينها.. تعتبر أوسع حرب وأخطرها مرّت بها البشرية في تأريخها الطويل. وكان من المتوقع أن يرشح منظِّرًا سياسيًّا أو خبيرًا حربيًّا، لكن ما كان له أن يختار إلا مَن يغوص عميقًا في بحر النفس الإنسانية، ليستخرج السر الكامن فيها، فكان فرويد، وحسنًا فعل.

الكتاب.. الصادر باللغة العربية عن «الرافدين» ببيروت و«منشورات تكوين» بالكويت ينقسم قسمين:

الأول: تقديم نادر كاظم للكتاب، وكان ممتعًا، أوجز فيه التعريف بموضوع الرسائل. ثم أسهب في الإجابة عن السؤال: لماذا الحرب؟ وقد تتبع فيها كاظم الآراء التأريخية، منذ القرن السادس قبل الميلاد عندما وضع الجنرال الصيني صن تشو كتابه «فن الحرب» حتى عصرنا، مرورًا بكثير من مفكري الأمم ومؤرخيها كالعرب والأوروبيين، متتبعًا ذلك من خلال: الطبيعة الإنسانية، والهُوية، والإرهاب الدولي، و«الرجل الاصطناعي»؛ أي الدولة، وأخيرًا «الدولة العالمية». ويمكن الخلوص من تحليل كاظم إلى أن الحرب تلازم الإنسان في كل أحواله وأزمانه، وهي نتيجة تحتاج لمحلل نفسي أكثر من حاجتها لمنظِّر سياسي أو خبير عسكري. لقد قرأ كاظم الحرب تحت وقع تحليلات فرويد، فوصل إلى نتيجة مقلقة، وهي أصالة الحرب في النفس الإنسانية، بيد أنه لاذ بالتفاؤل قائلًا في ختام تحليله: (إلا أننا من حقنا أن نؤمن أن الحروب ليست قدرنا، وأن الخروج من هذه الدوامة الشريرة أمر ممكن)، وهو الأمر الذي فعله قبله فرويد وأينشتاين.

الثاني: يشمل الرسائل المتبادلة بين أينشتاين وفرويد؛ وهي:

الأولى.. أرسلها أينشتاين إلى فرويد عام 1931 أو 1932م، تتعلق بإنشاء رابطة للمثقفين، تعمل ضد الحرب وتستند إلى القوة الأخلاقية، تتكوّن من رجال يحظون بالاحترام وذوي إنجازات معروفة تقدم دعمًا معنويًّا لعصبة الأمم.

الثانية.. أرسلها أينشتاين إلى فرويد بتاريخ: 30 يوليو 1932م، وفيها يطرح الأول على الثاني مشكلة الحرب، ومُقترِحًا إنشاءَ هيئة قضائية للحد من النزاعات، وفعلًا قامت في الأمم المتحدة، سُمِّيت «محكمة العدل الدولية»، لكن بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأفل نجم عصبة الأمم. وفي الرسالة كذلك يطرح أينشتاين على زميله أسئلة تتعلق بجذور مشكلة الحرب.

الثالثة.. أجاب فيها فرويد على أسئلة أينشتاين بشقيها: الأول.. عن مشكلة الحرب والحلول المقترحة، وعمّا سيواجه الهيئة القضائية التي تقام لمنع الحروب مع عدم وجود قوة تضمن تحقيق أحكامها. والآخر.. عن جراثيم الحرب في النفس الإنسانية.

من خلال الرسائل يمكن رصد ثلاثة أمور:

1. تشابه الوضع بين وقتنا وزمن صدور الرسائل، فقد كان تبادلها بعد الحرب العالمية الأولى والعالم كله محتقن، ونُذُر حرب عالمية أخرى مهيمنة على علاقات الدول، مع رعب من استعمال أسلحة الدمار الشامل، وعصبة الأمم مهددة بالزوال أو التغيير. والعالم.. في تحول بتعدد أقطاب قياداته الكبرى بقيام الشيوعية في روسيا، والنازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، بالإضافة إلى الرأسمالية الغربية التي تكافح بقوتيها الخشنة والناعمة هذه الأقطاب. والآن.. العالم يشهد إرهاصات لتعددية الأقطاب الدولية منها الحرب الروسية الأوكرانية، التي قد تكون شرارة تشعل حربًا عالمية جديدة، والتي إن قامت ستبدو الحربان العالميتان السابقتان حملَين أمام وحش، وحينها لن تبقى أمم متحدة. كل هذه السيناريوهات المفترضة يجري الحديث عنها الآن علنًا من قِبَل الأطراف الكبرى المعنية بالحرب، بما في ذلك استعمال الأسلحة النووية.

2. اهتمام الفلاسفة والمفكرين بالأوضاع التي تمر بها البشرية في لحظات التحول الكبرى التي حصلت في الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي، كمشاركة أينشتاين وفرويد في دراسة مشكلة الحروب، وإنشاء عصبة الأمم «المعهدَ الدولي للتعاون الفكري»، والسعي إلى إقامة رابطة للمثقفين المؤثرين أخلاقيًّا، كل هذه المشاريع احتاجت إليها الإنسانية. وتوقفنا أيضًا على الطبيعة الفاعلة لمثقفي ذلك العصر، وربما هذا الأمر ينقص البشرية الآن وهي في بوادر تحولها، فما أحرى بالفلاسفة والعلماء وقادة الفكر أن يوحدوا كلمتهم ويقفوا ضد تصاعد الأوضاع، والتي قد تؤدي إلى حرب شاملة مدمرة.

3. عمق فلسفتَي أينشتاين وفرويد، حيث ينبغي الوقوف على لب تفكيرهما حتى يسهل فهم نتاجهما العلمي، ومنها نظرتهما إلى الحرب، وآلية معالجتهما الفكرية لها. يقوم تفكير أينشتاين على البحث عن العلاقات بين الظواهر، ولأنه فيزيائي فقد انصبّ تفكيره على إيجاد العلاقة بين الأجرام الكونية؛ من الذرة إلى المجرة، وبهذا التفكير توصل إلى النظريتين النسبيتين الصغرى والكبرى، ورغم توصله إليهما ظل يؤمن بأن هذه العلاقة يحكمها قانون واحد صارم، ولذلك.. كان يبحث عن هذا القانون، وقد بلغ إيمانه به أن قال: (إن الله لا يلعب النرد)؛ أي أن الله حكيم في تسييره للكون، وفق سنن لا تتبدل.

وأما فرويد فذهب إلى أن الكون يقوم على مبدأ اللذة، ولخّص شرح مبدئه هذا في كتيّب أصدره عام 1920م بعنوان «ما فوق مبدأ اللذة». يذهب فيه إلى أن الخلية تنزع للبقاء، وفي الوقت نفسه لديها نزوع للرجوع إلى أصلها؛ وهو العدم، وبين هذين النزوعين يصدر الليبيدو «الطاقة»، وقد فسّر فرويد بالليبيدو كل ما تعرَّض له من ظواهر الحياة، من حركة الخلايا حتى رغبات الإنسان العليا، ولما كانت الحياة تنتج بالتزاوج فقد جعل الجنس الأساس لفهم الإنسان؛ في تصرفاته ورغباته وأحلامه.

إن جذر فلسفة أينشتاين القائمة على فهم العلاقة بين الظواهر؛ جعلته يطرح أسئلته على فرويد عن الحرب من هذا المبدأ الكلي؛ من مثل: كيف لزمرة صغيرة راغبة بالحرب أن تقنع الأغلبية بها؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى إلهاب حماسة الجماهير ليضحّوا بحياتهم؟ وهل يمكن ترويض العقل الإنساني بصده عن تبنّي الكراهية والسعي للدمار؟ يأتي رد فرويد أيضًا من خلال مبدأ اللذة، بأن القابلية للعنف متجذرة في الكائنات، وما الحروب إلا تنفيس عن النفس، ونوع من تصريف الطاقة الناشئة من تبادلية البقاء والفناء، والحب والكراهية، أو الجذب والتنافر، بلغة الفيزياء التي يعمل أينشتاين في حقلها. لقد ختم فرويد رده بأنه يرجو ألا يكون قد صدم أينشتاين بهذه التحليل، بيد أن الأخير كان متفهمًا لرده، بل واعيًا بما يقوم به، وأنه لا يختلف معه.

رغم الصرامة العلمية التي انطلق منها الفيلسوفان لمعالجة موضوع الحرب؛ والنتيجة الحتمية التي توصل إليها فرويد بأن الحرب هي تَمَثُّلٌ للطبيعة العميقة في الإنسان؛ إلا أنه لا ينبغي الاستسلام لهذه الحتمية القاتلة، بل يجب السعي إلى تهذيب النفس من العنف، وتخفيف وطأة الحروب عن البشرية.