No Image
ثقافة

رحيل الباحث خميس العدوي إثر نوبة قلبية

19 مايو 2026
ترك إرثا في قراءة التحولات الحضارية في عمان
19 مايو 2026

«عُمان»: فقدت الساحة الثقافية العُمانية، أمس، الكاتب والباحث خميس بن راشد العدوي، أحد الأسماء التي اشتغلت طويلا على قراءة التاريخ العُماني والفكر الديني والتحولات الحضارية، بعد مسيرة معرفية تركت أثرها في الكتابة الثقافية والمؤسسات الأدبية والبحث في الذاكرة الوطنية. وعُرف العدوي، الذي ارتبط اسمه بولاية بهلا وبفضائها التاريخي العميق، بوصفه كاتبا مشغولا بأسئلة التراث والفكر والمكان. وقد تعامل مع المكان في بحوثه وكتاباته المنشورة في الكتب والصحف مع التاريخ باعتبارها مادة حية لفهم الحاضر وبناء الوعي. ومن هذه الزاوية جاءت كتاباته عن بهلا وسلوت والذاكرة العُمانية القديمة، محمّلة بحس الباحث الذي يرى في المكان وثيقة وشاهدا على امتداد التجربة العُمانية في الزمن. وكان للراحل حضور ثابت في جريدة «عُمان» من خلال مقال أسبوعي ظل يطلّ به على القراء، فاتحا من خلاله نقاشات ثقافية عميقة. وتكشف مقالاته عن كاتب يرى في الدين والثقافة والتاريخ مجالات للحوار والتأمل وإعادة الفهم. وتنشر الجريدة غدا الخميس مقالته الأخيرة بعنوان «الحج ما بين الوحدة الإنسانية والطقس الديني»، في مفارقة مؤثرة تختصر جانبا مما كان يشغله؛ إذ ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب عن المشتركات الكبرى بين البشر، وعن قدرة الشعائر الدينية على فتح أفق أوسع للتلاقي الروحي والمعنى الإنساني. وشغل الراحل عددا من المواقع الثقافية والفكرية من بينها رئاسة المنتدى الأدبي، والعمل في مجال الدراسات الحضارية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، كما ارتبط اسمه بالجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء التي كان من وجوهها البارزة في مراحل مختلفة ورأسها لدورة كاملة وكان في مجلس إدارتها لأكثر من دورها بينها الدورة الحالية. وأسهم من خلال هذه المواقع في دعم المشاريع الثقافية التي تعنى بتوثيق المنتج الفكري والثقافي العُماني وتقريب المعرفة إلى القراء والباحثين وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة الثقافية والذاكرة الوطنية. ترك خميس العدوي عددا من المؤلفات التي تعكس اتساع اهتماماته الفكرية، من أبرزها كتابه «السياسة بالدين.. في سبيل فهم منطق الأحداث»، الذي ضم بحوثا ومقالات كتبها على مدى سنوات قارئا العلاقة بين السياسة والدين من زاوية تاريخية وتحليلية. وقد تُرجم الكتاب إلى الفارسية بعنوان «دين ودولت در عمان»، في إشارة إلى امتداد الاهتمام بأعماله خارج المجال المحلي. كما عُرف بكتابه «التصوف في عُمان»، وهو عمل حواري تناول أحد الجوانب الدقيقة في التجربة الدينية العُمانية، إضافة إلى كتب أخرى في قضايا الفكر الديني والوحدة الإسلامية والعلاقة مع الآخر. امتازت كتابة العدوي بالجمع بين الحس التراثي والنزعة التحليلية. كان قريبا من النصوص القديمة، ومن تاريخ عُمان الديني والسياسي، غير أنه كان يقرأها بعين معاصرة وبمناهج نقدية حديثة. وفي مقالاته المنشورة في جريدة عمان بدا منشغلا بتحولات الفكر في عُمان وبفكرة التسامح الديني وتطويره إلى سياق حياتي، وبالطريقة التي استطاعت بها عُمان الحديثة أن تجعل التنوع جزءا من استقرارها الثقافي والاجتماعي. ولم يكن حضور الراحل محصورا في الكتابة، فقد شارك في ندوات وملتقيات ثقافية وأسهم في مشاريع توثيقية ومعرفية وكان حاضرا في النقاش العام حول القراءة والكتاب والتراث. وفي أحاديثه عن اقتناء الكتب والقراءة المنتجة، ظهر بوصفه مثقفا يرى في الكتاب رفيقا لتكوين العقل وبناء الإنسان. وكان الراحل أحد المؤسسين لمكتبة الندوة العامة في ولاية بهلا والتي كانت مشروعا ثقافيا تنويريا تحولت مع الوقت إلى ما يمكن أن يكون مركزا للدراسات حيث صدر عنها عدد من الكتب والنشرات، وعقدت ندوات ومحاضرات. كما كان الراحل أحد الأسماء المشاركة في تحرير الموسوعة العمانية والتي ينظر لها في عُمان باعتبارها أحد أكثر المشاريع الثقافية أهمية خلال العقود الخمسة الماضية. برحيله، تخسر الثقافة العُمانية صوتا هادئا من أصواتها الباحثة، وعقلا ظل مشغولا بتفسير العلاقة بين الدين والتاريخ والمجتمع. كان العدوي ينتمي إلى ذلك الطراز من الكتّاب الذين يعملون بصمت ويتركون أثرهم في التفاصيل العميقة للحياة الثقافية. وسيظل اسمه حاضرا في سجل الباحثين العُمانيين الذين سعوا إلى قراءة عُمان من داخل تجربتها الحضارية، وإلى وصل الماضي بأسئلة الحاضر وإلى جعل التراث مادة تفكير حيّة لا مجرد ذاكرة محفوظة في الكتب. وبرحيله، يودع الوسط الثقافي العُماني كاتبا حمل أسئلته بجدية وترك خلفه مؤلفات ومقالات ومبادرات ستبقى جزءا من المشهد الثقافي العُماني المعاصر.