في ليالي آفاق المسرحية "موال حدادي" الثمن البخس قيمة للأهل.. و"حياة من ورق" معيشة مقيدة بالكتابة!
قدّمت فرقة آفاق المسرحية وجماعة المسرح بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط لجمهور المسرح جرعتين من الطاقة الإيجابية والفرجة المسرحية، عبر أربعة عروض مسرحية، ضمن فعالية ليالي آفاق، عرضين للعمل المسرحي "موال حدادي" يوم الأحد 17 مايو، الأول عند الساعة 12:30 ظهرًا والثاني عند الساعة 7:30 مساءً، وفي اليوم التالي، أمس الاثنين، قُدّم العمل المسرحي "حياة من ورق" بالجدول ذاته على خشبة مسرح جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، وشهدت الليالي حضورًا جماهيريًا لافتًا، عكس شغف الجمهور بالمسرح وثقته بما تقدمه فرقة آفاق وجماعة المسرح بالجامعة من أعمال نوعية وأسماء لامعة على الخشبة وخلف الكواليس.
موال حدادي
جاء "موال حدادي"، من تقديم فرقة آفاق المسرحية، بطابع كوميدي في أغلب مشاهده، إلا أن ما يحمله من أفكار يترك أثرًا مرًّا، ويطرح تساؤلًا حول قيمة المال حين يصبح ثمنًا للأهل والمبادئ والمجتمع، إذ مهما بلغ حجمه يبقى ثمنًا بخسًا أمام كل ذلك.
وتجسّد شخصية "حميدان" هذا الجشع والطمع في سبيل المال والتقرب من سيده "جون"، القائد العسكري الأجنبي الذي يعيش في بلادنا خلال فترة تعود إلى زمن الاستعمار البرتغالي بحسب سياق الأحداث وكركتر الشخصيات.
ويعمل "حميدان"، الذي أدى دوره الفنان محمد الرقادي، ساقيًا للنبيذ للعساكر والمقرب من سيده "جون" الذي جسد شخصيته الفنان عبدالملك الشيزاوي، وكلما أخلص في عمله نال رتبة أو مكانة جديدة عززت لديه شعورًا زائفًا بالفخر.
ومع تطور الأحداث يدخل "جون" في حالة اكتئاب بعد أن هجرته حبيبته لصالح "وليام" الذي يوصف بصديق العائلة، يحاول "حميدان" إخراجه من حالته عبر استقدام رجال القرية بالفنون الشعبية والطبول، لكن اللقاء يتحول إلى مساءلة له بسبب غياب "حميدان" الطويل عن مجتمعه وزوجته، قبل أن يتبدل موقفهم عندما شاهدوا ما يملكه من مال ومكانة.
وتبدو الخطة قريبة من النجاح، إلا أن مبالغات رجال القرية بوصف قدراتهم الخارقة طمعًا بالوظائف تكشف حقيقتهم أمام "جون"، الذي لم يكن يرى فيهم سوى نظرة دونية، فيأمر بطردهم.
ولا يتوقف "حميدان" عند ذلك، فيستدعي عمه، والد زوجته، النوخذة والنهّام المعروف، على أمل أن تنقذ ألحان البحر "جون" من كآبته، لكن المحاولة تفشل كذلك.
وتصل الأحداث إلى ذروتها مع دخول زوجة "حميدان"، التي أدت دورها الفنانة نور الهدى الغماري، حيث تبدأ بلومه على الغياب، لكن "جون" يرى فيها خلاصه من أزمته، ويبدأ بالتحرش بها أمام زوجها، الذي يلتزم الصمت تحت سطوة المال، ليصل المشهد إلى لحظة مؤلمة حين يتخلى عنها مقابل وسام جديد يعلّقه "جون" على صدر "حميدان".
ورغم قتامة الحكاية، فقد غُلّفت الأحداث بالكوميديا السوداء التي نجحت في انتزاع الضحكات من الجمهور في أغلب المشاهد، مدعومة بإضاءة ذكية وديكور عكس عتاقة المكان وغرابته، وكأن المحتل يحمل معه هويته وبيئته أينما حلّ.
العمل من تأليف الكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله، وإخراج أمجد الكلباني، وأداء – إلى جانب من تم ذكرهم – يقظان الهنائي، يوسف السعيدي، محمود القاسمي، قصي الحارثي، محمد الجابري، محمد اليحيائي، عبدالرحمن الهنائي، أحمد الهنائي، وصالح السيابي.
ومن خلف الكواليس تولّى منذر الحسني إدارة الخشبة، وعزيزة البلوشي الميكياج، وعبدالعزيز الجميلي الديكور، إلى جانب مشاركة أيوب القاسمي ويعرب الرقادي في التنظيم.
حياة من ورق
في العرض التالي "حياة من ورق" قدّم طلاب جماعة المسرح بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية فرجة بصرية مبهرة، سردت حكاية الإنسان الهشّة، والتي تكون مقيدة بالورق من الولادة إلى الوفاة، مرورًا بتفاصيل الحياة الأخرى الكثيرة والمتشعبة.
يبدأ العرض بظهور بطل العمل، والذي أدى دوره الفنان تيمور السلطي بتميّز وقدرة هائلة لا تعكس ظهوره الأول على الخشبة، إذ حمل رسالة كان قد سطّرها على الورق، قبل أن يشرع في التخلص من حياته الهشّة، حياته المليئة بالأوراق والمبعثرة، بين أوراق رسمية، وشهادة ميلاد، وشهادة مدرسة، وشهادة طبية، وأوراق أخرى سطرها لتعبر عن أفكاره، ثم شهادة الزواج التي لم تمضِ عليها فترة حتى تحولت إلى شهادة طلاق.
ويسير العمل في مشاهد متعددة وديكورات متغيرة بسيطة وديناميكية تتحول بحركات بسيطة من شكل إلى آخر دلالة على المكان والزمان، انطلاقًا من الحصول على ورقة الولادة التي فتحت له عينيه على الحياة، في مشهد يجسّد الحوار بين والديه واختيار الاسم الأنسب له "سعيد"، مرورًا باستخراج شهادة الميلاد التي تتغير فيها المعلومات بناء على الورقة الصادرة من المستشفى.
وبعدها ينتقل المشهد إلى المدرسة، إذ كان والد سعيد يريد تسجيل ابنه بالمدرسة ليمر بمعضلة "الأوراق ناقصة".
وفي كل ورقة تتجسد شخصيات جديدة، تنتقل بعدها إلى ورقة أخرى، فهذه الأوراق بين يديه تعكس شغفه بالكتابة الصحفية وسيرته الذاتية المقرونة بالشهادة، يحملها من شركة إلى أخرى راجيًا وظيفة تعينه على الحياة، إلا أن الجميع يطلب الأوراق، رغم استعداده لتقديم نفسه شفهيًا ليخبرهم كيف يفكر ومن هو، وكأنه يستحضر المثل القائل "تحدث لأراك"، لكن الحياة لا تزال معلقة بالورق!
وحتى حينما اختار من أحبها وأحبته، وأحبت كتاباته التعبيرية التي كان يسطرها على الورق، ارتبط بها بورقة الزواج، لكن الحياة أكثر من مجرد ورق، لذلك لم تستمر الحياة الزوجية في ظل متطلبات الحياة والمصاريف التي يعجز سعيد عن تلبيتها، فتضاف إليه ورقة جديدة "الطلاق".
في كل المجريات في حياة "سعيد" التي ولدت معها الأوراق تلو الأوراق، كان هو ذاته مدمنًا للورق، إذ كانت الأوراق مساحته للتعبير والكتابة وسكب الآلام والمشاعر، التي كانت تضيق معها الحياة وتزيد منها يومًا بعد يوم، حتى قرر الانتحار في اليوم الذي وُلد فيه، ولكن أين شهادة الميلاد؟ وأين الورقة الأخيرة التي يريد أن يكتب فيها رسالته الأخيرة؟ لينتهي المشهد بلحظة جنونية في البحث عن ورقة فارغة، ولكنها النهاية كما يبدو، حتى وجد الورقة الأخيرة التي سطّر فيها رسالته الأخيرة، فانتهت الأوراق وانتهت معه الحياة.
تميّز العمل بالجمع بين اللغة الفصحى، حيث رسائل الخواطر التي يسطرها "سعيد"، وبين الحياة اليومية العامية، في لغة آسرة أبدع في صياغتها الكاتب المسرحي سعد عماد، وقد استوحى النص من القصة القصيرة "حياة الورق" للكاتب سليمان المعمري والتي وردت في مجموعته القصصية "الأشياء ليست كما تبدو في المرآة"، ونجح في تقديم رؤية إخراجية مبهرة المخرج الشاب المعتصم الرواحي، إذ نجح في قيادة العمل وسرد تفاصيله بلغة الكلام واللغة البصرية، فجميع الشخصيات التي ظهرت في العمل، بخلاف سعيد، كانت مصبوغة بالأبيض والملامح بالخطوط السوداء، وكأنهم صورة مشوشة أو أحبار على ورق في ذاكرة سعيد.
وقاد العمل مجموعة طلابية برؤية دراماتورجية للفنان محمد الرقادي، وشارك فيه في التمثيل كل من الطلاب: معاذ الرحبي، الحواري الشهيمي، منار البلوشي، وصال البلوشي، بيان المشرفي، محمد الوهيبي، نوح البلوشي، محمود المخيني، أفنان العامري، عمران الحسيني، عبدالعزيز الشكيلي.
وخلف الكواليس، في إدارة الخشبة غدير اللواتي، وفي الميكياج هند العامري، والموسيقى سعد عماد، والأزياء وفاء الهنائي ولبنى السبهاني، والديكور علياء العبيداني، والإضاءة محمد الجابري.
كما تميّزت منشورات العمل الموزعة على الجمهور بمحاكاة العمل الصحفي، وكأنها صحيفة مصغرة تتناول أخبار "وفاة شاب" بصيغ مختلفة وأخبار متعددة الزوايا، بين من يراه منتحرًا وبين من يراه مغدورًا.
