لا ترى إيران ما يدعوها إلى تقديم تنازلات
23 أبريل 2026
سينا توسي
23 أبريل 2026
وصل وفد إيران إلى الجولة الأولى من المحادثات مع الولايات المتحدة بعد وقف إطلاق النار في إسلام آباد على متن طائرة حملت اسم «ميناب 168»، تيمنا بالضحايا الذين سقطوا، ومعظمهم من الطالبات الصغيرات، في قصف أمريكي وقع في وقت مبكر من الحرب. وقد حملت هذه التسمية دلالة تجمع بين المرارة والثبات، إذ وضعت المفاوضات في سياق صراع ترى طهران أنها دفعت فيه بالفعل أثمانا باهظة.
ومن خلال هذا الإطار يمكن فهم الطريقة التي دخل بها المسؤولون الإيرانيون تلك المحادثات، كما يمكن فهم نظرتهم إلى المأزق القائم حاليا. فهم لا يتعاملون مع الدبلوماسية بوصفها مسارا تفرضه الهشاشة أو الاستعجال، وإنما بوصفها امتدادا لمعركة يعتقدون أنهم خرجوا منها من دون أن يفقدوا عناصر تفوقهم الأساسية. ومع انتهاء وقف إطلاق النار، ومن دون أي اختراق دبلوماسي يلوح في الأفق، يتصاعد خطر العودة إلى الحرب على نحو حاد.
ومن الزاوية الإيرانية، لم ينجح الضغط العسكري في كسر موقفها. فلا تزال أوراقها الرئيسية قائمة: مخزونات اليورانيوم المخصب، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز بما يحمله ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي، وسجل حربي تمثل في تحمل ضربات أمريكية وإسرائيلية متواصلة لأكثر من أربعين يوما، مع الاستمرار في الرد عبر المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيرة والقوى الحليفة في العراق ولبنان واليمن.
ويأتي هذا على النقيض من الافتراضات السائدة في واشنطن، حيث انصب الاهتمام على الكيفية التي يمكن أن تدفع بها الضغوط إيران إلى تقديم تنازلات متسارعة. أما إيران، فتبدو أكثر استعدادا لشراء الوقت، والاحتفاظ بأدواتها الأساسية، والسعي إلى تسوية استراتيجية أوسع تربط تنميتها وازدهارها بازدهار الخليج، ومن ثم بالاقتصاد العالمي.
ويعكس هذا التباعد خللا أعمق في فهم كل طرف للمسار الذي يتخذه الصراع. فبالنسبة إلى صناع القرار في الولايات المتحدة، يتمثل السؤال المركزي في أي مزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية يمكنه أن يفرض حراكا إزاء مطالب بعيدة المدى، تشمل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والتحالفات الإقليمية. أما بالنسبة إلى صناع القرار في إيران، فإن السؤال يدور حول ما إذا كانت تلك المطالب تستلزم التخلي عما يعدونه ركائز جوهرية للأمن.
وقد ازداد هذا القلق رسوخا في أعقاب الحرب. فاليوم أكثر من أي وقت مضى، يجري التعامل في طهران مع قدرة إيران على تعطيل هرمز، إلى جانب وضعها النووي العتبي، وصواريخها، وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بوصفها مصادر تأسيسية للقوة والأمن، لا أوراقا قابلة للمساومة. وفي هذا المنظور، يمكن التراجع عن تخفيف العقوبات الأمريكية في أي وقت، بينما ينطوي تخلي إيران عن أدواتها على خطر استدراج مزيد من الضغط والتصعيد والحرب. ولهذا ينصرف الهدف، في جوهره، إلى انتزاع اعتراف بها باعتبارها فاعلا أمنيا مشروعا في نظام إقليمي يعاد تشكيله.
وقد صاغ كيان عبد اللهي، رئيس تحرير وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري الإيراني، قراءة إيران للمقاربة الأمريكية بعبارات حادة. فقال: «حين يكون في وسعنا أن نخوض حربا مع إيران ونجبرها على الاستسلام، فما الحاجة إلى التفاوض؟»، مضيفا أن أي اتفاق «يتضمن شكلا من أشكال الاعتراف» بالجمهورية الإسلامية، وهو ما سعت واشنطن إلى تفاديه عبر محاولة تحقيق أهدافها بالحرب.
وبحسب رواية عبد اللهي، دخلت واشنطن الحرب وهي تتوقع أن تؤدي القوة العسكرية إلى تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، والاستيلاء على مخزونات اليورانيوم المخصب، ثم إما الدفع نحو تغيير النظام أو إجبار طهران على القبول المباشر بشروط «الاستسلام غير المشروط». وكانت المفاوضات، إن جاءت لاحقا، ستأتي فقط بعد أن تصبح إيران في وضع لا يملك سوى التسليم بهذه الشروط.
ولم تمنح الإشارات الصادرة أخيرا من واشنطن المسؤولين الإيرانيين سببا يدعوهم إلى الاعتقاد بأن هذا التقييم كان خاطئا أو أنه تبدل فعلا. فبعد أن انتهت الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد من دون اتفاق، أوضح دونالد ترامب أنه لا يبحث عن تسوية وسط. وقال: «أنا لا أريد 90%، ولا أريد 95%... أريد كل شيء».
ومع ذلك، يقول أعضاء في الوفد الإيراني في إسلام آباد إنهم دخلوا المحادثات من موقع قوة كما يرونه هم. ففي نظرهم، لم تنتج الحرب التحول الحاسم الذي كانت واشنطن تتوقعه، بل عززت قناعة مفادها أن إيران قادرة على امتصاص كل ما تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تقريبا أن تلقيانه عليها، ما لم تصل الأمور إلى غزو بري، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدواتها الأساسية. ومن ثم، فإن أي اتفاق يجب أن يعكس هذا التوازن، لا أن ينسفه.
يبقى نوع الاتفاق الذي قد تكون إيران مستعدة للقبول به أمرا غير واضح. فالحصول على اعتراف بما تعدّه حقا مكفولا لها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تخصيب اليورانيوم ظل طويلا واحدا من خطوطها الحمراء المركزية، ولا توجد مؤشرات تذكر على أن طهران مستعدة للتخلي عنه. وأقصى ما قد تقبل به، ربما، هو وقف فعلي لعدة سنوات ريثما تعيد بناء بنيتها التحتية النووية، وربما يترافق ذلك مع نموذج يقوم على كونسورتيوم إقليمي لإنتاج الوقود النووي داخل إيران لاستخدامها هي والدول المجاورة.
وفي هذا السياق، وصف مجيد شاكرِي، مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي قاد الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد، الجولة الأولى هناك بأنها كانت، في المقام الأول، جولة تقييم واختبار، حاول فيها كل طرف جس نبض الطرف الآخر أكثر من السعي إلى تسوية عاجلة.
وأشار إلى مشكلة جوهرية في الجانب الأمريكي، مفادها أن الوفد لم يكن يملك أهدافا واضحة ولا الصلاحية الكافية لاتخاذ القرار، رغم أن حلولا قابلة للتطبيق كانت موجودة، بحسب روايته. ويبدو أن إقرار نائب الرئيس جيه دي فانس بأن الفريق الأمريكي اضطر إلى الرجوع إلى ترامب أكثر من اثنتي عشرة مرة خلال المحادثات التي استمرت يوما كاملا، يدعم هذا التقدير، في حين يؤكد الجانب الإيراني أنه دخل المفاوضات مفوضا بكامل الصلاحيات. أما التقييم العام الذي قدمه شاكري فجاء متزنا: الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد لم تكن فشلا واضحا، ولم تكن نجاحا أيضا، ولم يكن أحد يتوقع اختراقا فوريا.
لكن ترامب اتجه بعد المحادثات إلى التصعيد، معلنا فرض حصار بحري على موانئ إيران. وخلال الأيام التالية، ازداد المشهد توترا وتقلبا. فبعد التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان، تحركت إيران نحو إعادة فتح مضيق هرمز جزئيا، انسجاما مع موقفها السابق القائل إن إتاحة المرور فيه مرتبطة بوقف إطلاق نار إقليمي أوسع. غير أن واشنطن رفضت رفع حصارها، فسارعت طهران إلى التراجع وأعادت إغلاق المضيق. ومع أن تطبيق الولايات المتحدة لحصارها ظل متفاوتا، مع استمرار بعض الناقلات المرتبطة بإيران في التحرك، فإن استيلاءها على سفينة شحن إيرانية شكّل تصعيدا كبيرا، هددت طهران بالرد عليه. وحتى الآن، لم تؤكد إيران ما إذا كانت ستعود إلى جولة جديدة من المحادثات في إسلام آباد، وهو ما يكشف مدى هشاشة التوقف الحالي في القتال، وقابليته السريعة للانهيار.
وفيما يتعلق بالحصار الأمريكي، تبدو طهران واثقة من قدرتها على الصمود أطول من الضغط المفروض عليها. ويشير محللون إيرانيون، مثل شاكري، إلى أن النفط لا يزال يُباع من خلال التخزين العائم، وأن لدى إيران طاقة تخزين برية كبيرة، فضلا عن مسارات بديلة جرى إعدادها على امتداد سنوات.
والأهم من ذلك أن الحصار يكشف مفارقة استراتيجية تواجه الولايات المتحدة. فلكي تتصدى واشنطن لتعطيل إيران لمضيق هرمز، وهو ما يدفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع، باتت تستهدف النفط الإيراني أيضا، وبذلك تزيد ضيق الأسواق وتشدد الاختناقات، وتعيد إنتاج الدينامية نفسها التي تستند إليها قوة إيران التفاوضية.
ومن منظور واشنطن، قد يبدو هذا المسار محاولة لزيادة الضغط، أو على الأقل إشارة من ترامب إلى التمسك بموقفه. أما في طهران، فتتم قراءة الأمر على نحو مختلف. فإيران تعتقد أنها أقدر على تحمل الضغوط التي قد يفرضها حتى حصار مطبق بالكامل، في حين أن التداعيات الاقتصادية العالمية، ولا سيما حين تقترن باضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ستتفاقم بسرعة أكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة وشركائها.
وعلى نطاق أوسع، يعزز هذا التحرك الشكوك في طهران حول ما إذا كانت واشنطن تسعى فعلا إلى أرضية تفاوضية وسط، أم أنها تمضي في التصعيد لغياب خيارات أفضل. ووفقا لهذا التصور، يجد ترامب نفسه عالقا بين استئناف حرب مكلفة وبين متابعة مفاوضات قد لا تفضي إلى الكثير. ومع مرور الوقت، ومع امتداد خطر الحرب المتجددة إلى البحر الأحمر وإلى البنية الأوسع للطاقة في الخليج، يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن موقعهم لن يزداد إلا قوة.
وبعد أن خاضت إيران، في نظر مسؤوليها، حربا وجودية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمكنت من الصمود فيها، فإن هؤلاء لا يرون سببا يدعوهم إلى التسرع في تقديم تنازلات كبيرة. فالأولوية ليست إبرام صفقة شاملة، وإنما تقليص خطر الحرب مع الحفاظ على مصادر القوة الأساسية، من هرمز إلى البرنامج النووي. وعلى المدى القريب، قد يعني ذلك ببساطة تمديد وقف إطلاق النار بدلا من التوصل إلى اتفاق جوهري. وبعد ذلك، يبدو الاحتمال الأرجح هو التوصل إلى ترتيب مرحلي، أو إطار عام على هيئة مذكرة تفاهم يؤجل التفاصيل الحاسمة، أكثر من كونه اختراقا نهائيا فاصلا.
وفي هذا التصور، لا يجري حل الصراع بقدر ما يجري ضبطه وإدارته. ومع مرور الوقت، تعتقد إيران أن موقعها سيتعزز، كلما جعلت التداعيات العالمية لاضطراب الطاقة أي تصعيد جديد كلفة لا يرغب أحد في تحملها. أما الهدف الأوسع، الذي بلورته الحرب ورسخته، فيتمثل في خروج دائم من العزلة، قائم على ما أرادت طهران أن تثبته خلال هذا الصراع: أن استقرار الخليج، كما استقرار الاقتصاد العالمي، لا يمكن أن يتحققا من دون استقرار إيران نفسها واندماجها.
