No Image
ترجمة

أوروبا بحاجة إلى اليورو الرقمي

14 مايو 2026
برايان جادج
14 مايو 2026

بعد سنوات من التحضير، أصبحت الهيئات الحاكمة الثلاث في الاتحاد الأوروبي (البرلمان الأوروبي، والمجلس الأوروبي، والمفوضية الأوروبية) مستعدة أخيرًا لبدء المفاوضات الرسمية بشأن اليورو الرقمي. وعندما يحدث ذلك، فإن مشروعًا كان يُتصوَّر في الأصل كعملية تحديث تكنوقراطية للبنية التحتية النقدية سيتحول إلى أحد أكثر البنود إثارةً للجدل السياسي على أجندة التكتل.

لقد وصفت المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي (ECB) اليورو الرقمي بأنه محاولة لتكييف العملة الرسمية مع العصر الرقمي. هذا الإطار، رغم كونه غير مكتمل، أوصل المشروع عبر مرحلة التحضير التقني. لكنه لن يكون كافيًا لدفعه إلى الأمام كثيرًا بعد ذلك.

اليورو الرقمي ليس مجرد تحديث تقني. إنه مشروع سياسي ضمن التقليد الطويل لبناء المؤسسات الأوروبية، وسيعتمد نجاحه أو فشله في النهاية بشكل أقل على الهندسة التقنية وأكثر على ما إذا كان قادة أوروبا مستعدين للدفاع عنه.

ومن المرجح أن تأتي المقاومة من عدة اتجاهات. فقد تبنّت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا معاديًا بشكل صريح للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، بينما تروّج في المقابل للعملات المستقرة الخاصة المقوّمة بالدولار. أما روسيا، فمن شبه المؤكد أنها ستتعامل مع اليورو الرقمي كجبهة أخرى في حربها الهجينة ضد أوروبا. وداخل الاتحاد الأوروبي نفسه، سيستغل المشككون في الاتحاد الأوروبي هذا المشروع بوصفه دليلًا على التوسع التكنوقراطي المفرط، وسيحولونه إلى نقطة جذب لنظريات المؤامرة.

لقد أمضى صانعو السياسات الأوروبيون سنوات في وضع الأسس التقنية لليورو الرقمي. وعليهم الآن أن يتعاملوا مع الصراع السياسي حول مستقبله بالصرامة نفسها.

لمدة تقارب 80 عامًا، سعت أوروبا إلى ما وصفه المؤرخ البريطاني الراحل توني جَدْت بأنه بناء قدرة جماعية لتعويض نقاط الضعف الفردية. فقد كانت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، والسوق المشتركة، والعملة الموحدة، واتفاقية شنغن، وتوسّع الاتحاد الأوروبي ـ كلها أعمال من الإرادة السياسية ساعدت على تحويل كارثة الحرب العالمية الثانية إلى نظام مستدام من المؤسسات المشتركة. وبشكلٍ إجمالي، تُشكّل هذه الجهود واحدة من أنجح التجارب السياسية في التاريخ الحديث.

لكن مشروع التكامل الأوروبي الممتد منذ عقود يتعرض لضغط هائل. فمع استمرار روسيا في شن حربها على الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا، لم تعد الضمانات الأمنية الأمريكية أمرًا يمكن الاعتماد عليه بشكل مسلم به. وفي الوقت نفسه، تعيد الصين تشكيل التجارة العالمية بطرق تشكل تهديدًا وجوديًا للقاعدة الصناعية الأوروبية.

وكما جادل المؤرخ الألماني كيران كلاوس باتيل، فإن الصورة التي تقدمها أوروبا عن نفسها كثيرًا ما تجاوزت إنجازاتها الفعلية. وعلى أرض الواقع، كان التكامل غير متكافئ، ما غذّى مشاعر الاستياء التي استغلتها الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء القارة للوصول إلى السلطة وتقويض المشروع الأوروبي.

بالنسبة لكثير من الأوروبيين، لا يظهر «أوروبا» كجماعة سياسية بقدر ما يبدو كفكرة مجردة بعيدة، مصدرًا للوائح والقيود والاختصارات البيروقراطية التي نادرًا ما تحسن الحياة اليومية. أما الحريات التي حققها التكامل الأوروبي فهي حقيقية لكنها سهلة النسيان. في المقابل، تبدو التكاليف ملموسة ويسهل الاستياء منها. وأي مشروع سياسي يستند إلى توافق النخب وقوانين المعاهدات سيكون بطبيعته هشًا.

في قلب هذا الهشاشة يكمن ما وصفه الفيلسوف الألماني الراحل يورغن هابرماس بأنه «إغراء التكنوقراطية»: أي الميل إلى دفع مشروع التكامل الأوروبي عبر آليات تتجاوز الجمهور الديمقراطي الذي يُنفَّذ المشروع باسمه.

إن اليورو الرقمي، الذي صممه خبراء في فرانكفورت وبروكسل، يواجه خطر الوقوع في الفخ نفسه، لأن القرارات التي تكون سليمة تقنيًا ولكن يصعب فهمها تصبح أهدافًا سهلة للهجمات السياسية. وقد أكدت دراسة حديثة للبنك المركزي الألماني (Bundesbank) هذه المشكلة، إذ وجدت أن 42% فقط من الألمان قد سمعوا باليورو الرقمي، وأن ربع هؤلاء فقط يستطيعون شرح ما هو بدقة.

ومع ذلك، أشار هابرماس إلى حل محتمل: هوية أوروبية مشتركة تقوم على المشاركة الواسعة في مؤسسات مشتركة. وقد يوفّر اليورو الرقمي تحديدًا هذا النوع من التجربة المشتركة. فمعظم أشكال التكامل الأوروبي، من تنسيق اللوائح إلى القواعد المالية، تظل غير مرئية للمواطنين العاديين. لكن عملة رقمية ستتيح لمئات الملايين من الأوروبيين، الذين لا يعرف أغلبهم الكثير عن الآليات المؤسسية للتكامل،التفاعل يوميًا مع نفس نظام المدفوعات، باستخدام الواجهة نفسها، أينما كانوا داخل منطقة اليورو.

لقد أثبت السوق الموحد أنه سهل بشكل لافت لهيمنة الشركات الأمريكية؛ إذ تعتمد نحو ثلثي معاملات بطاقات الائتمان في منطقة اليورو على شركتي فيزا وماستركارد، ويفتقر 13 من أصل 21 عضوًا في منطقة اليورو إلى بديل محلي. وكل معاملة تحمل رسومًا تعمل كضريبة خاصة على التجارة الأوروبية. إن السعي الحالي للاتحاد الأوروبي نحو «الاستقلال الاستراتيجي» في مجالات الدفاع وأشباه الموصلات والبنية التحتية السحابية لا يعني الكثير إذا لم يمتد إلى أنظمة الدفع التي يقوم عليها اقتصاد أوروبا.

وبالنسبة لجيل اختبر التكامل الأوروبي في المقام الأول بوصفه مجموعة من القيود، قد يصبح اليورو الرقمي مؤسسة أوروبية شديدة الوضوح تجعل الحياة أسهل. فالقليل من المبادرات على أجندة أوروبا يمكن أن يبرهن على الفوائد الملموسة للتكامل والتعاون عبر الحدود بالقدر نفسه من الفعالية.

وقد يعتمد ما إذا كانت السنوات القادمة ستعيد ترسيخ المشروع الأوروبي في عالم معاد تشكيله جذريًا، أم ستُعلن بداية مزيد من التفكك، على كيفية تطور النقاش حول اليورو الرقمي. فالاتحاد الأوروبي الموحد سيظل قوة قارية ملتزمة بشكل فريد بالديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان ومستقبل مستدام، بينما ستكون أوروبا المنقسمة أكثر عرضة بكثير للإكراه الخارجي.

ولا يستطيع البنك المركزي الأوروبي (ECB) أن يصوغ الموقف السياسي المؤيد لليورو الرقمي. يجب أن تقوم بذلك المفوضية الأوروبية، والحكومات الوطنية، والبرلمان الأوروبي. وعليها أن تكون صادقة بشأن ما تدافع عنه: فاليورو الرقمي ليس مجرد محاولة لتحديث نظام المدفوعات في منطقة اليورو؛ بل هو مؤسسة أوروبية تأخذ شكل نظام مدفوعات.

ويجب على صانعي السياسات أن يقدموا هذه الحجة بوضوح وقوة. يجب ألا يتحول اليورو الرقمي إلى مجرد أثر تكنوقراطي آخر يُفرض من الأعلى ويُقابل بعدم الثقة على نطاق واسع. وإنما أن يكون تعبيرًا حيًا عن أعلى طموحات أوروبا.